فصل: تفسير الآية رقم (24)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير البغوي المسمى بـ «معالم التنزيل» ***


سورة الإسراء

مكية وهي مائة وإحدى عشرة آية‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏1‏]‏

بسم الله الرحمن الرحيم

‏{‏سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ‏(‏1‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا‏}‏ سبحان الله‏:‏ تنزيه الله تعالى من كل سوء، ووصفه بالبراءة من كل نقص على طريق المبالغة، ويكون ‏"‏سبحان‏"‏ بمعنى التعجب، ‏"‏أسرى بعبده‏"‏ أي‏:‏ سيره، وكذلك سرى به، والعبد هو‏:‏ محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏

‏{‏مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ‏}‏ قيل‏:‏ كان الإسراء من مسجد مكة، روى قتادة عن أنس عن مالك بن صعصعة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏بينا أنا في المسجد الحرام في الحجر بين النائم واليقظان إذ أتاني جبريل بالبراق‏"‏ فذكر حديث المعراج‏.‏

وقال قوم‏:‏ عرج به من دار أم هانئ بنت أبي طالب ومعنى قوله‏:‏ ‏{‏مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ‏}‏‏.‏

أي‏:‏ من الحرم‏.‏

قال مقاتل‏:‏ كانت ليلة الإسراء قبل الهجرة بسنة، ويقال‏:‏ كان في رجب‏.‏ وقيل‏:‏ كان في شهر رمضان‏.‏

‏{‏إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى‏}‏ يعني‏:‏ بيت المقدس، وسمي أقصى لأنه أبعد المساجد التي تزار‏.‏ وقيل‏:‏ لبعده من المسجد الحرام‏.‏

‏{‏الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ‏}‏ بالأنهار والأشجار والثمار، وقال مجاهد‏:‏ سماه مباركا لأنه مقر الأنبياء ومهبط الملائكة والوحي، ومنه يحشر الناس يوم القيامة‏.‏

‏{‏لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا‏}‏ من عجائب قدرتنا، وقد رأى هناك الأنبياء والآيات الكبرى‏.‏

‏{‏إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ‏}‏ ذكر ‏"‏السميع‏"‏ لينبه على أنه المجيب لدعائه، وذكر ‏"‏البصير‏"‏ لينبه على أنه الحافظ له في ظلمة الليل‏.‏

وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقول‏:‏ ما فقد جسد النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن الله أسرى بروحه‏.‏

والأكثرون على أنه أسري بجسده في اليقظة، وتواترت الأخبار الصحيحة على ذلك‏.‏

أخبرنا أبو عمر عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو حامد أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يوسف، حدثنا أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، حدثنا هدبة بن خالد، حدثنا همام بن يحيى، حدثنا قتادة ‏(‏ح‏)‏ قال البخاري‏:‏ وقال لي خليفة العصفري، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا سعيد وهشام‏.‏ قالا حدثنا قتادة ‏(‏ح‏)‏ عن مالك بن صعصعة رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم، حدثهم عن ليلة أسري به، ‏(‏ح‏)‏ قال البخاري‏:‏ حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن يونس عن ابن شهاب عن أنس قال‏:‏ كان أبو ذر يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏ح‏)‏، وأخبرنا أبو سعيد إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا أبو الحسن عبد الغافر بن محمد الفارسي أنبأنا أبو أحمد محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا أبو الحسين مسلم بن الحجاج، حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا ثابت البناني عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال- دخل حديث بعضهم في بعض- قال أبو ذر‏:‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ فرج عني سقف بيتي، وأنا بمكة، فنزل جبريل ففرج صدري، ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانا، فأفرغه في صدري، ثم أطبقه‏"‏‏.‏

وقال مالك بن صعصعة‏:‏ إن نبي الله صلى الله عليه وسلم حدثهم عن ليلة أسري به قال‏:‏ ‏"‏بينما أنا في الحطيم، وربما قال في الحجر بين النائم واليقظان‏"‏، وذكر بين رجلين ‏"‏فأتيت بطست من ذهب مملوء حكمة وإيمانا فشق من النحر إلى مراق البطن واستخرج قلبي فغسل ثم حشي ثم أعيد‏"‏‏.‏

وقال سعيد وهشام‏:‏ ثم غسل البطن بماء زمزم ثم ملئ إيمانا وحكمة، ثم أوتيت بالبراق، وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه، فركبته فانطلقت مع جبريل حتى أتيت بيت المقدس، قال‏:‏ فربطته بالحلقة التي تربط بها الأنبياء، قال‏:‏ ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ثم خرجت، فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن، فاخترت اللبن، فقال جبريل‏:‏ اخترت الفطرة، فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا فاستفتح، قيل من هذا‏؟‏ قال‏:‏ جبريل‏.‏ قيل‏:‏ ومن معك‏؟‏ قال‏:‏ محمد‏.‏ قيل‏:‏ وقد أرسل إليه‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قيل‏:‏ مرحبا به، فنعم المجيء جاء، ففتح، فلما خلصت، فإذا فيها آدم، فقال لي‏:‏ هذا أبوك آدم، فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد السلام، ثم قال‏:‏ مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح‏.‏

وفي حديث أبي ذر‏:‏ علونا السماء الدنيا، فإذا رجل قاعد عن يمينه أسودة وعن يساره أسودة، إذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى، فقال‏:‏ مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح‏.‏ قلت لجبريل‏:‏ من هذا‏؟‏ قال‏:‏ هذا آدم، وهذه الأسودة التي عن يمينه وشماله نسم بنيه، فأهل اليمين منهم أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر عن يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى‏.‏

ثم صعد حتى أتى السماء الثانية فاستفتح، قيل‏:‏ من هذا‏؟‏ قال‏:‏ جبريل، قيل‏:‏ ومن معك‏؟‏ قال‏:‏ محمد، قيل‏:‏ وقد أرسل إليه‏؟‏ قال‏:‏ نعم، قيل‏:‏ مرحبا به فنعم المجيء جاء، ففتح، فلما خلصت إذا بيحيى وعيسى عليهما السلام، وهما ابنا خالة، قال‏:‏ هذا يحيى وعيسى، فسلم عليهما، فسلمت فردا، ثم قالا مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح‏.‏

ثم صعد بي إلى السماء الثالثة فاستفتح، قيل‏:‏ من هذا‏؟‏ قال‏:‏ جبريل، قيل‏:‏ ومن معك‏؟‏ قال‏:‏ محمد‏.‏ قيل‏:‏ وقد أرسل إليه‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قيل‏:‏ مرحبا به فنعم المجيء جاء، ففتح، فلما خلصت فإذا يوسف، وإذا هو قد أعطي شطر الحسن، قال‏:‏ هذا يوسف فسلم عليه، فسلمت عليه فرد علي، ثم قال‏:‏ مرحبا بالأخ الصالح، والنبي الصالح‏.‏

ثم صعد بي حتى أتى السماء الرابعة، فاستفتح، قيل‏:‏ من هذا‏؟‏ قال‏:‏ جبريل، قيل‏:‏ ومن معك‏؟‏ قال‏:‏ محمد، قيل‏:‏ وقد أرسل إليه‏؟‏ قال‏:‏ نعم، قيل‏:‏ مرحبا به فنعم المجيء جاء، ففتح فلما خلصت فإذا إدريس، قال هذا إدريس فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد ثم قال‏:‏ مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح‏.‏

ثم صعد بي حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح، قيل‏:‏ من هذا‏؟‏ قال‏:‏ جبريل، قيل‏:‏ ومن معك‏؟‏ قال‏:‏ محمد، قيل‏:‏ وقد أرسل إليه‏؟‏ قال‏:‏ نعم، قيل‏:‏ مرحبا به فنعم المجيء جاء، فلما خلصت فإذا هارون، قال‏:‏ هذا هارون فسلم عليه، فسلمت عليه فرد ثم قال‏:‏ مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح‏.‏

ثم صعد بي حتى أتى السماء السادسة فاستفتح، قيل‏:‏ من هذا‏؟‏ قال‏:‏ جبريل، قيل‏:‏ ومن معك‏؟‏ قال‏:‏ محمد، قيل‏:‏ وقد أرسل إليه‏؟‏ قال‏:‏ نعم، قيل‏:‏ مرحبا به فنعم المجيء جاء، فلما خلصت فإذا موسى، قال‏:‏ هذا موسى فسلم عليه، فسلمت عليه فرد ثم قال‏:‏ مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح، فلما جاوزت بكى قيل له‏:‏ ما يبكيك‏؟‏ قال‏:‏ أبكي لأن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي‏.‏

ثم صعد بي إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل، قيل‏:‏ من هذا‏؟‏ قال جبريل، قيل‏:‏ ومن معك‏؟‏ قال‏:‏ محمد، قيل‏:‏ وقد أرسل إليه‏؟‏ قال‏:‏ نعم، قيل‏:‏ مرحبا به فنعم المجيء جاء، فلما خلصت فإذا إبراهيم، قال‏:‏ هذا أبوك إبراهيم، فسلم عليه، فسلمت عليه فرد السلام، ثم قال‏:‏ مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح، فرفع لي البيت المعمور، فسألت جبريل فقال‏:‏ هذا البيت المعمور يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك، إذا خرجوا لم يعودوا إليه آخر ما عليهم‏.‏

وقال ثابت عن أنس‏:‏ فإذا أنا بإبراهيم مسند ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه، ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى فإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة، قال‏:‏ فلما غشيها من أمر الله ما غشي تغيرت، فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها، في أصلها أربعة أنهار‏:‏ نهران باطنان، ونهران ظاهران، فقلت‏:‏ ما هذان يا جبريل‏؟‏ فقال‏:‏ أما الباطنان فنهران في الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات‏.‏

وأوحى إلي ما أوحى، ففرض علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فنزلت إلى موسى، فقال‏:‏ ما فرض ربك على أمتك‏؟‏ قلت‏:‏ خمسين صلاة، قال‏:‏ ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك لا تطيق ذلك فإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم، قال‏:‏ فرجعت إلى ربي فقلت‏:‏ يا رب خفف على أمتي فحط عني خمسا فرجعت إلى موسى فقلت‏:‏ حط عني خمسا، قال‏:‏ إن أمتك لا تطيق ذلك فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف‏.‏

قال‏:‏ فلم أزل أرجع بين ربي وبين موسى حتى قال‏:‏ يا محمد إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة لكل صلاة عشر هي خمس وهي خمسون لا يبدل القول لدي، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرا، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئا، فإن عملها كتبت سيئة واحدة‏.‏

قال‏:‏ فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته، فقال‏:‏ ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك‏.‏ فقلت‏:‏ سألت ربي حتى استحييت ولكني أرضى وأسلم، قال‏:‏ فلما جاوزت نادى مناد‏:‏ أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي، ثم أدخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ وإذا ترابها المسك‏.‏

قال ابن شهاب‏:‏ فأخبرني ابن حزم أن ابن عباس وأبا حبة الأنصاري، كانا يقولان‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى فيه صريف الأقلام‏.‏

قال ابن حزم وأنس‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ففرض الله على أمتي خمسين صلاة‏.‏

وروى معمر عن قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ أتي بالبراق ليلة أسري به ملجما مسرجا، فاستصعب عليه، فقال جبريل‏:‏ أبمحمد تفعل هذا‏؟‏ فما ركبك أحد أكرم على الله منه، فارفض عرقا‏.‏

وقال ابن بريدة عن أبيه قال‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ لما انتهينا إلى بيت المقدس قال جبريل بأصبعه فخرق بها الحجر وشد بها البراق‏.‏

أنبأنا عبد الواحد المليحي، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي، حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثني محمود، أنبأنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن الزهري أخبرني سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ليلة أسري بي لقيت موسى، قال‏:‏ فنعته فإذا هو رجل- حسبته قال مضطرب- رجل الرأس كأنه من رجال شنوءة‏"‏‏.‏ قال‏:‏ ولقيت عيسى فنعته النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏"‏ربعة أحمر كأنما خرج من ديماس يعني‏:‏ الحمام ورأيت إبراهيم وأنا أشبه ولده به، قال‏:‏ وأتيت بإناءين‏:‏ أحدهما لبن والآخر فيه خمر، فقيل لي‏:‏ خذ أيهما شئت فأخذت اللبن فشربته، فقيل لي‏:‏ هديت الفطرة أو أصبت الفطرة أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك‏"‏‏.‏

أنبأنا عبد الواحد المليحي حدثنا أحمد بن عبد الله النعيمي حدثنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا عمرو عن عكرمة عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏"‏وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس‏"‏، قال‏:‏ هي رؤيا عين أريها النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به إلى بيت المقدس‏.‏ قال‏:‏ والشجرة الملعونة في القرآن قال‏:‏ هي شجرة الزقوم‏.‏

أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا عبد العزيز بن عبد الله حدثني سليمان عن شريك بن عبد الله قال‏:‏ سمعت أنس بن مالك يقول‏:‏ ليلة أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم من مسجد الكعبة أنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام، فقال أولهم‏:‏ أيهم هو‏؟‏ فقال أوسطهم‏:‏ هو خيرهم، فقال آخرهم‏:‏ خذوا خيرهم، فكانت تلك الليلة فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى فيما يرى قلبه، وتنام عينه ولا ينام قلبه وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم، فلم يكلموه حتى احتملوه ووضعوه عند بئر زمزم، فشق جبريل ما بين نحره إلى لبته حتى فرغ من صدره وجوفه، فغسله من ماء زمزم بيده‏.‏ وساق حديث المعراج بقصته‏.‏ فقال‏:‏ فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطردان، قال‏:‏ هذا النيل والفرات عنصرهما واحد، ثم مضى به في السماء الثانية فإذا هو بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد فضرب يده فإذا هو مسك أذفر، قال‏:‏ ما هذا يا جبريل‏؟‏ قال‏:‏ هذا الكوثر الذي خبأ لك ربك‏.‏ وساق الحديث، وقال‏:‏ ثم عرج بي إلى السماء السابعة، وقال‏:‏ قال موسى‏:‏ رب لم أظن أن ترفع علي أحدا، ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله حتى جاء سدرة المنتهى ودنا الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى فأوحى إليه فيما أوحى إليه خمسين صلاة كل يوم وليلة وقال فلم يزل يردده موسى إلى ربه حتى صارت إلى خمس صلوات ثم احتبسه موسى عند الخمس فقال‏:‏ يا محمد والله لقد راودت بني إسرائيل قومي على أدنى من هذا فضعفوا عنه وتركوه فأمتك أضعف قلوبا وأجسادا وأبدانا وأبصارا وأسماعا، فارجع فليخفف عنك ربك، كل ذلك يلتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل ليشير عليه، ولا يكره ذلك جبريل، فرفعه عند الخامسة فقال‏:‏ يا رب إن أمتي ضعفاء أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبدانهم فخفف عنا فقال الجبار‏:‏ يا محمد، قال‏:‏ لبيك وسعديك، قال‏:‏ إنه لا يبدل القول لدي كما فرضت عليك في أم الكتاب فكل حسنة بعشر أمثالها فهي خمسون في أم الكتاب وهي خمس عليك فقال موسى‏:‏ ارجع إلى ربك فليخفف عنك أيضا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏قد والله استحييت من ربي مما اختلفت إليه‏"‏، قال‏:‏ فاهبط بسم الله، فاستيقظ وهو في المسجد الحرام‏.‏

وروى مسلم هذا الحديث مختصرا عن هارون بن سعيد الإيلي عن ابن وهب عن سليمان بن بلال‏.‏

قال شيخنا الإمام رضي الله عنه‏:‏ قد قال بعض أهل الحديث ما وجدنا لمحمد بن إسماعيل ولمسلم في كتابيهما شيئا لا يحتمل مخرجا إلا هذا، وأحال الأمر فيه إلى شريك بن عبد الله، وذلك أنه ذكر فيه أن ذلك قبل أن يوحى إليه، واتفق أهل العلم على أن المعراج كان بعد الوحي بنحو من اثنتي عشرة سنة قبل الهجرة بسنة‏.‏

وفيه أيضا‏:‏ ‏"‏أن الجبار دنا فتدلى‏"‏‏.‏ وذكرت عائشة أن الذي دنا فتدلى جبريل عليه السلام‏.‏

قال شيخنا الإمام رضي الله عنه‏:‏ وهذا الاعتراض عندي لا يصح، لأن هذا كان رؤيا في النوم، أراه الله عز وجل قبل الوحي بدليل آخر الحديث‏:‏ قال فاستيقظ وهو في المسجد الحرام، ثم عرج به في اليقظة بعد الوحي قبل الهجرة بسنة تحقيقا لرؤياه من قبل كما أنه رأى فتح مكة في المنام عام الحديبية سنة ست من الهجرة، ثم كان تحقيقه سنة ثمان ونزل قوله عز وجل ‏"‏لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق‏"‏ ‏(‏الفتح- 27‏)‏‏.‏

وروي أنه لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به وكان بذي طوى قال‏:‏ يا جبريل إن قومي لا يصدقوني، قال‏:‏ يصدقك أبو بكر وهو الصديق‏.‏

قال ابن عباس وعائشة رضي الله عنهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ لما كانت ليلة أسري بي فأصبحت بمكة فضقت بأمري وعرفت أن الناس مكذبي فروي أنه عليه الصلاة والسلام قعد معتزلا حزينا فمر به أبو جهل فجلس إليه فقال له كالمستهزئ‏:‏ هل استفدت من شيء‏؟‏ قال‏:‏ نعم إني أسري بي الليلة قال‏:‏ إلى أين‏؟‏ قال‏:‏ إلى بيت المقدس، قال‏:‏ ثم أصبحت بين ظهرانينا قال‏:‏ نعم، فلم ير أبو جهل أنه ينكر مخافة أن يجحده الحديث قال‏:‏ أتحدث قومك ما حدثتني‏؟‏ قال‏:‏ نعم، قال أبو جهل‏:‏ يا معشر بني كعب بن لؤي هلموا، قال‏:‏ فانفضت إليه المجالس فجاؤوا حتى جلسوا إليهما، قال‏:‏ فحدث قومك ما حدثتني قال‏:‏ نعم إني أسري بي الليلة، قالوا‏:‏ إلى أين‏؟‏ قال‏:‏ إلى بيت المقدس، قالوا‏:‏ ثم أصبحت بين ظهرانينا‏؟‏ قال‏:‏ نعم قال‏:‏ فمن بين مصفق ومن بين واضع يده على رأسه متعجبا، وارتد ناس ممن كان آمن به وصدقه وسعى رجل من المشركين إلى أبي بكر فقال‏:‏ هل لك في صاحبك يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس قال‏:‏ أوقد قال ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم، قال‏:‏ لئن كان قال ذلك لقد صدق قالوا‏:‏ وتصدقه أنه ذهب إلى بيت المقدس في ليلة وجاء قبل أن يصبح‏؟‏ قال‏:‏ نعم إني لأصدقه بما هو أبعد من ذلك أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة فلذلك سمي أبو بكر الصديق‏.‏

قال‏:‏ وفي القوم من قد أتى المسجد الأقصى، فقالوا‏:‏ هل تستطيع أن تنعت لنا المسجد‏؟‏ قال‏:‏ نعم قال‏:‏ فذهبت أنعت وأنعت فما زلت أنعت حتى التبس علي بعض النعت قال‏:‏ فجيء بالمسجد وأنا أنظر إليه حتى وضع دون دار عقيل فنعت المسجد وأنا أنظر إليه فقال القوم‏:‏ أما النعت فوالله لقد أصاب ثم قالوا‏:‏ يا محمد أخبرنا عن عيرنا هي أهم إلينا فهل لقيت منها شيئا‏؟‏ قال‏:‏ نعم مررت على عير بني فلان وهي بالروحاء وقد أضلوا بعيرا لهم وهم في طلبه وفي رحالهم قدح من ماء فعطشت فأخذته فشربته ثم وضعته كما كان فسلوهم هل وجدوا الماء في القدح حين رجعوا إليه‏؟‏ قالوا‏:‏ هذه آية قال‏:‏ ومررت بعير بني فلان، وفلان وفلان راكبان قعودا لهما بذي طوى فنفر بعيرهما مني فرمى بفلان فانكسرت يده فسلوهما عن ذلك قالوا‏:‏ وهذه آية قالوا‏:‏ فأخبرنا عن عيرنا نحن‏؟‏ قال‏:‏ مررت بها بالتنعيم قالوا‏:‏ فما عدتها وأحمالها وهيئتها ومن فيها‏؟‏ قال‏:‏ نعم هيئتها كذا وكذا وفيها فلان وفلان يقدمها جمل أورق عليه غرارتان مخيطتان تطلع عليكم عند طلوع الشمس قالوا‏:‏ وهذه آية ثم خرجوا يشتدون نحو الثنية وهم يقولون والله لقد قص محمد شيئا وبينه حتى أتوا كدى فجلسوا عليه فجعلوا ينتظرون متى تطلع الشمس فيكذبونه إذ قال قائل منهم‏:‏ والله هذه الشمس قد طلعت وقال آخر‏:‏ وهذه والله الإبل قد طلعت يقدمها بعير أورق فيها فلان وفلان كما قال لهم فلم يؤمنوا ‏"‏وقالوا إن هذا إلا سحر مبين‏"‏‏.‏

أنبأنا إسماعيل بن عبد القاهر أنبأنا عبد الغافر بن محمد أنبأنا محمد بن عيسى الجلودي أنبأنا إبراهيم بن محمد بن سفيان حدثنا مسلم بن الحجاج حدثني زهير بن حرب حدثنا حجر بن المثنى أنبأنا عبد العزيز- وهو ابن أبي سلمة- عن عبد الله بن الفضل عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنهم قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها فكربت كربا ما كربت مثله قط قال‏:‏ فرفعه الله لي أنظر إليه ما يسألوني عن شيء إلا أنبأتهم به ولقد رأيتني في جماعة من الأنبياء فإذا موسى قائم يصلي فإذا رجل ضرب جعد كأنه من رجال شنوءة وإذا عيسى قائم يصلي أقرب الناس به شبها عروة بن مسعود الثقفي وإذا إبراهيم قائم يصلي أشبه الناس به صاحبكم- يعني نفسه- فجاءت الصلاة فأممتهم فلما فرغت من الصلاة قال لي قائل‏:‏ يا محمد هذا مالك صاحب النار فسلم عليه فالتفت إليه فبدأني بالسلام‏"‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏2- 4‏]‏

‏{‏وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلا ‏(‏2‏)‏ ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا ‏(‏3‏)‏ وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا ‏(‏4‏)‏‏}‏‏.‏

قوله عز وجل ‏{‏وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلا‏}‏ بأن لا ‏{‏تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلا‏}‏ ربا وكفيلا‏.‏

قرأ أبو عمرو ‏"‏لا يتخذوا‏"‏ بالياء لأنه خبر عنهم والآخرون‏:‏ بالتاء يعني‏:‏ قلنا لهم لا تتخذوا‏.‏ ‏{‏ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا‏}‏ قال مجاهد‏:‏ هذا نداء يعني‏:‏ يا ذرية من حملنا، ‏{‏مَعَ نُوحٍ‏}‏ في السفينة فأنجيناهم من الطوفان، ‏{‏إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا‏}‏ كان نوح عليه السلام إذا أكل طعاما أو شرب شرابا أو لبس ثوبا قال‏:‏ الحمد لله فسمي عبدا شكورا أي كثير الشكر‏.‏ قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ‏}‏ الآيات‏.‏

روى سفيان بن سعيد الثوري عن منصور بن المعتمر عن ربعي بن حراش عن حذيفة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏إن بني إسرائيل لما اعتدوا وقتلوا الأنبياء بعث الله عليهم ملك فارس ‏"‏بختنصر‏"‏، وكان الله ملكه سبعمائة سنة فسار إليهم حتى دخل بيت المقدس فحاصرها وفتحها وقتل على دم يحيى بن زكريا عليه السلام سبعين ألفا ثم سبى أهلها والأبناء وسلب حلي بيت المقدس واستخرج منها سبعين ألفا ومائة ألف عجلة من حلي، قلت‏:‏ يا رسول الله كان بيت المقدس عظيما‏؟‏ قال‏:‏ أجل بناه سليمان بن داود من ذهب وفضة وياقوت وزبرجد، وكان عمده ذهبا، أعطاه الله ذلك، وسخر له الشياطين يأتونه بهذه الأشياء في طرفة عين فسار بها بختنصر حتى نزل بابل فأقام بنو إسرائيل في يده مائة سنة يستعبدهم المجوس وأبناء المجوس فيهم الأنبياء ثم إن الله رحمهم فأوحى إلى ملك من ملوك فارس يقال له ‏"‏كورش‏"‏ وكان مؤمنا أن يسير إليهم ليستنقذ بقايا بني إسرائيل فسار كورش لبني إسرائيل وأخذ حلي بيت المقدس حتى ردها إليه فأقام بنو إسرائيل بها مطيعين لله تعالى مائة سنة ثم إنهم عادوا في المعاصي فسلط الله عليهم ملكا يقال له ‏"‏أنطانيوس‏"‏ فغزا بني إسرائيل حتى أتاهم بيت المقدس فسبى أهلها وأحرق بيت المقدس وقال لهم يا بني إسرائيل إن عدتم في المعاصي عدنا عليكم ثانيا بالسبي فعادوا فسلط الله عليهم ملك رومية يقال له ‏"‏فاقس بن أستيانوس‏"‏، فغزاهم في البر والبحر فسباهم وسبى حلي بيت المقدس وأحرق بيت المقدس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا من صفة حلي بيت المقدس ويرده المهدي إلى بيت المقدس وهو ألف وسبعمائة سفينة يرمي بها على يافا حتى تنقل إلى بيت المقدس وبها يجمع الله الأولين والآخرين‏"‏‏.‏

قال محمد بن إسحاق‏:‏ كانت بنو إسرائيل فيهم الأحداث والذنوب وكان الله في ذلك متجاوزا عنهم محسنا إليهم وكان أول ما نزل بهم بسبب ذنوبهم كما أخبر على لسان موسى عليه السلام أن ملكا منهم كان يدعى ‏"‏صديقة‏"‏ وكان الله تعالى إذا ملك الملك عليهم بعث معه نبيا يسدده ويرشده لا ينزل عليهم الكتب إنما يؤمرون باتباع التوراة والأحكام التي فيها‏.‏

فلما ملك ذلك الملك بعث الله معه ‏"‏شعياء بن أصفيا‏"‏ وذلك قبل مبعث زكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام و ‏"‏شعياء‏"‏ هو الذي بشر بعيسى ومحمد عليهما السلام، فقال‏:‏ أبشري أورشليم، الآن يأتيك راكب الحمار ومن بعده صاحب البعير فملك ذلك الملك بني إسرائيل وبيت المقدس زمانا فلما انقضى ملكه عظمت فيهم الأحداث وشعياء معه بعث الله عليهم ‏"‏سنجاريب‏"‏ ملك بابل معه ستمائة ألف راية فأقبل سائرا حتى نزل حول بيت المقدس والملك مريض في ساقه قرحة فجاء النبي شعياء وقال له‏:‏ يا ملك بني إسرائيل إن سنجاريب ملك بابل قد نزل بك هو وجنوده بستمائة ألف راية وقد هابهم الناس وفرقوا فكبر ذلك على الملك فقال يا نبي الله هل أتاك وحي من الله فيما حدث فتخبرنا به كيف يفعل الله بنا وبسنجاريب وجنوده‏؟‏

فقال‏:‏ لم يأتني وحي فبينما هم على ذلك أوحى الله إلى شعياء النبي أن ائت ملك بني إسرائيل فمره أن يوصي وصيته ويستخلف- على ملكه من يشاء من أهل بيته- فأتى شعياء ملك بني إسرائيل ‏"‏صديقة‏"‏ فقال له‏:‏ إن ربك قد أوحى إلي أن آمرك أن توصي وصيتك وتستخلف من شئت على ملكك من أهل بيتك فإنك ميت فلما قال ذلك شعياء لصديقة أقبل على القبلة فصلى ودعا وبكى فقال وهو يبكي وتضرع إلى الله بقلب مخلص‏:‏ اللهم رب الأرباب وإله الآلهة يا قدوس المتقدس يا رحمن يا رحيم يا رءوف الذي لا تأخذه سنة ولا نوم اذكرني بعملي وفعلي وحسن قضائي على بني إسرائيل وذلك كله كان منك وأنت أعلم به مني سري وعلانيتي لك وأنت الرحمن فاستجاب له وكان عبدا صالحا فأوحى الله تعالى إلى شعياء أن يخبر صديقه أن ربه قد استجاب له ورحمه وأخر له أجله خمس عشرة سنة وأنجاه من عدوه سنجاريب فأتاه شعياء فأخبره بذلك فلما قال له ذلك ذهب عنه الوجع وانقطع عنه الحزن وخر ساجدا وقال‏:‏ يا إلهي وإله آبائي لك سجدت وسبحت وكبرت وعظمت أنت الذي تعطي الملك لمن تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء عالم الغيب والشهادة أنت الأول والآخر والظاهر والباطن وأنت ترحم وتستجيب دعوة المضطرين وأنت الذي أجبت دعوتي ورحمت تضرعي‏.‏

فلما رفع رأسه أوحى الله إلى شعياء أن قل للملك صديقه فيأمر عبدا من عبيده فيأتيه بماء التين فيجعله على قرحته فيشفى يصبح وقد برأ ففعل وشفي‏.‏

وقال الملك لشعياء‏:‏ سل ربك أن يجعل لنا علما بما هو صانع بعدونا هذا‏.‏

قال الله لشعياء‏:‏ قل له‏:‏ إني قد كفيتك عدوك وأنجيتك منهم وإنهم سيصبحون موتى كلهم إلا سنجاريب وخمسة نفر من كتابه‏.‏

فلما أصبحوا جاء صارخ فصرخ على باب المدينة يا ملك بني إسرائيل إن الله قد كفاك عدوك فاخرج فإن سنجاريب ومن معه قد هلكوا فلما خرج الملك التمس سنجاريب فلم يوجد في الموتى فبعث الملك في طلبه فأدركه الطلب في مغارة وخمسة نفر من كتابه أحدهم بختنصر فجعلوهم في الجوامع ثم أتوا بهم إلى ملك بني إسرائيل فلما رآهم خر ساجدا من حين طلعت الشمس إلى العصر ثم قال لسنجاريب‏:‏ كيف ترى فعل ربنا بكم‏؟‏ ألم يقتلكم بحوله وقوته ونحن وأنتم غافلون‏؟‏ فقال سنجاريب له‏:‏ قد أتاني خبر ربكم ونصره إياكم ورحمته التي يرحمكم بها قبل أن أخرج من بلادي فلم أطع مرشدا ولم يلقني في الشقوة إلا ذلة في الدنيا وعذاب في الآخرة فلو سمعت أو عقلت ما غزوتكم‏.‏

فقال صديقه‏:‏ الحمد لله رب العالمين الذي كفاناكم بما شاء وإن ربنا لم يبقك ومن معك لكرامتك على ربك ولكنه إنما أبقاك ومن معك لتزدادوا شقوة في الدنيا وعذابا في الآخرة ولتخبروا من وراءكم بما رأيتم من فعل ربنا بكم فتنذروا من بعدكم ولولا ذلك لقتلكم ولدمك ولدم من معك أهون على الله من دم قراد لو قتلت‏.‏

ثم إن ملك بني إسرائيل أمر أمير حرسه فقذف في رقابهم الجوامع فطاف بهم سبعين يوما حول بيت المقدس وإيليا وكان يرزقهم كل يوم خبزتين من شعير لكل رجل منهم فقال سنجاريب لملك بني إسرائيل‏:‏ القتل خير مما تفعل بنا فأمر بهم الملك إلى سجن القتل فأوحى الله إلى شعياء عليه السلام‏:‏ أن قل لملك بني إسرائيل يرسل سنجاريب ومن معه لينذروا من وراءهم وليكرمهم وليحملهم حتى يبلغوا بلادهم فبلغ شعياء الملك ذلك ففعل الملك صديقه ما أمر به فخرج سنجاريب ومن معه حتى قدموا بابل فلما قدموا جمع الناس فأخبرهم كيف فعل الله بجنوده فقال له كهانه وسحرته يا ملك بابل قد كنا نقص عليك خبر ربهم وخبر نبيهم ووحي الله إلى نبيهم فلم تطعنا وهي أمة لا يستطيعها أحد مع ربهم وكان أمر سنجاريب تخويفا لهم ثم كفاهم الله تذكرة وعبرة‏.‏

ثم لبث سنجاريب بعد ذلك سبع سنين ثم مات واستخلف بختنصر ابن ابنه على ما كان عليه جده يعمل عمله فلبث سبع عشرة سنة ثم قبض الله ملك بني إسرائيل صديقه فمرج أمر

بني إسرائيل وتنافسوا الملك حتى قتل بعضهم بعضا ونبيهم شعياء معهم ولا يقبلون منه، فلما فعلوا ذلك قال الله لشعياء قم في قومك أوحي على لسانك فلما قام النبي شعياء أنطق الله لسانه بالوحي فقال‏:‏ يا سماء اسمعي ويا أرض أنصتي فإن الله يريد أن يقص شأن بني إسرائيل الذين رباهم بنعمته واصطنعهم لنفسه وخصهم بكرامته وفضلهم على عباده وهم كالغنم الضائعة التي لا راعي لها فآوى شاردتها وجمع ضالتها وجبر كسرها وداوى مريضها وأسمن مهزولها وحفظ سمينها فلما فعل ذلك بطرت فتناطحت كباشها فقتل بعضها بعضا حتى لم يبق منها عظم صحيح يجبر إليه آخر كسير فويل لهذه الأمة الخاطئة الذين لا يدرون أنى جاءهم الخير أن البعير مما يذكر وطنه فينتابه وأن الحمار مما يذكر الأري الذي شبع عليه فيراجعه وأن الثور مما يذكر المرج الذي سمن فيه فينتابه وأن هؤلاء القوم لا يذكرون من حيث جاءهم الخير وهم أولو الألباب والعقول ليسوا ببقر ولا حمير وأني ضارب لهم مثلا فليسمعوه قل لهم كيف ترون في أرض كانت خواء زمانا خرابا مواتا لا عمران فيها وكان لها رب حكيم قوي فأقبل عليها بالعمارة وكره أن تخرب أرضه وهو قوي أو أن يقال ضيع وهو حكيم فأحاط عليها جدارا وشيد فيها قصورا وأنبط نهرا وصنف فيها غراسا من الزيتون والرمان والنخيل والأعناب وألوان الثمار كلها وولى ذلك واستحفظه ذا رأي وهمة حفيظا قويا أمينا فلما أطلعت جاء طلعها خروبا‏؟‏

قالوا بئست الأرض هذه فنرى أن يهدم جدارها وقصرها ويدفن نهرها ويقبض قيمها ويحرق غرسها حتى تصير كما كانت أول مرة خرابا مواتا لا عمران فيها قال الله‏:‏ قال لهم‏:‏ فإن الجدار ديني وإن القصر شريعتي وإن النهر كتابي وأن القيم نبيي وإن الغراس هم وإن الخروب الذي أطلع الغراس أعمالهم الخبيثة وأني قد قضيت عليهم قضاءهم على أنفسهم وإنه مثل ضربته لهم يتقربون إلي بذبح البقر والغنم وليس ينالني اللحم ولا آكله ويدعون أن يتقربوا إلي بالتقوى والكف عن ذبح الأنفس التي حرمتها فأيديهم مخضوبة منها وثيابهم متزملة بدمائها يشيدون لي البيوت مساجد ويطهرون أجوافها وينجسون قلوبهم وأجسادهم ويدنسونها ويزوقون إلى المساجد ويزينونها ويخربون عقولهم وأحلامهم ويفسدونها فأي حاجة لي إلى تشييد البيوت ولست أسكنها‏؟‏ وأي حاجة لي إلى تزويق المساجد ولست أدخلها‏؟‏ إنما أمرت برفعها لأذكر وأسبح فيها‏.‏

يقولون‏:‏ صمنا فلم يرفع صيامنا وصلينا فلم تنور صلاتنا وتصدقنا فلم يزك صدقتنا ودعونا بمثل حنين الحمام وبكينا بمثل عواء الذئاب في كل ذلك لا يستجاب لنا‏.‏

قال الله‏:‏ فاسألهم ما الذي يمنعني أن أستجيب لهم‏؟‏ ألست أسمع السامعين وأبصر الناظرين وأقرب المجيبين وأرحم الراحمين‏؟‏ فكيف أرفع صيامهم وهم يلبسونه بقول الزور ويتقوون عليه بطعمة الحرام‏؟‏ أم كيف أنور صلاتهم وقلوبهم صاغية إلى من يحاربني ويحادني وينتهك محارمي‏؟‏ أم كيف تزكى عندي صدقاتهم وهم يتصدقون بأموال غيرهم‏؟‏ إنما آجر عليها أهلها المغصوبين‏؟‏ أم كيف أستجيب دعاءهم وإنما هو قول بألسنتهم والفعل من ذلك بعيد إنما أستجيب للداعي اللين وإنما أسمع قول المستعفف المسكين وإن من علامة رضاي رضا المساكين‏.‏

يقولون لما سمعوا كلامي وبلغتهم رسالتي‏:‏ إنها أقاويل منقولة وأحاديث متوارثة وتأليف مما يؤلف السحرة والكهنة وزعموا أنهم لو شاءوا أن يأتوا بحديث مثله فعلوا ولوا شاءوا أن يطلعوا على علم الغيب بما يوحي إليهم الشياطين اطلعوا وإني قد قضيت يوم خلقت السماء والأرض قضاء أثبته وحتمته على نفسي وجعلت دونه أجلا مؤجلا لا بد أنه واقع فإن صدقوا فيما ينتحلون من علم الغيب فليخبروك متى أنفذه‏؟‏ أو في أي زمان يكون‏؟‏ وإن كانوا يقدرون على أن يأتوا بما يشاؤون فليأتوا بمثل هذه القدرة التي بها أمضيت فإني مظهره على الدين كله ولو كره المشركون وإن كانوا يقدرون على أن يقولوا ما يشاؤون فليقولوا مثل الحكمة التي بها أدبر أمر ذلك القضاء إن كانوا صادقين وإني قد قضيت يوم خلقت السماء والأرض أن أجعل النبوة في الأجراء وأن أجعل الملك في الرعاء والعز في الأذلاء والقوة في الضعفاء والغنى في الفقراء والعلم في الجهالة والحكمة في الأميين فسلهم متى هذا ومن القائم به ومن أعوان هذا الأمر وأنصاره إن كانوا يعلمون فإني باعث لذلك نبيا أميا أمينا ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ولا متزين بالفحش ولا قوال للخنا أسدده لكل جميل وأهب له كل خلق كريم أجعل السكينة لباسه والبر شعاره والتقوى ضميره والحكمة معقوله والصدق والوفاء طبيعته والعفو والمعروف خلقه والعدل سيرته والحق شريعته والهدى والقرآن إمامه، والإسلام ملته وأحمد اسمه أهدي به بعد الضلالة وأعلم به بعد الجهالة وأرفع به بعد الخمالة وأشهر به بعد النكرة وأكثر به بعد القلة وأغني به بعد العيلة وأجمع به بعد الفرقة وأؤلف به بين قلوب مختلفة وأهواء متشتة وأمم متفرقة وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر توحيدا لي وإيمانا وإخلاصا لي يصلون قياما وقعودا وركعا وسجودا ويقاتلون في سبيلي صفوفا وزحوفا ويخرجون من ديارهم وأموالهم ابتغاء رضواني ألهمهم التكبير والتوحيد والتسبيح والتحميد والمدحة والتمجيد في مسيرهم ومجالسهم ومضاجعهم ومناقبهم ومثواهم يكبرون ويهللون ويقدسون على رءوس الأشراف ويطهرون لي الوجوه والأطراف يعقدون لي الثياب على الأنصاف قربانهم دماؤهم وأناجيلهم في صدورهم رهبان بالليل ليوث بالنهار ذلك فضلي أوتيه من أشاء وأنا ذو الفضل العظيم‏.‏

فلما فرغ شعياء من مقالته عدوا عليه ليقتلوه فهرب منهم فلقيته شجرة فانفلقت له فدخل فيها فأدركه الشيطان فأخذ بهدبة من ثوبه فأراهم إياها فوضعوا المنشار في وسطها فنشروها حتى قطعوها وقطعوه في وسطها واستخلف الله على بني إسرائيل بعد ذلك رجلا منهم يقال له ناشية بن أموص وبعث لهم أرمياء بن حلقيا نبيا وكان من سبط هارون بن عمران‏.‏

وذكر ابن إسحاق أنه الخضر واسمه أرمياء سمي الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء فقام عنها وهي تهتز خضراء‏.‏

فبعث الله أرمياء إلى ذلك الملك ليسدده ويرشده ثم عظمت الأحداث في بني إسرائيل وركبوا المعاصي واستحلوا المحارم فأوحى الله إلى أرمياء أن ائت قومك من بني إسرائيل فاقصص عليهم ما آمرك به وذكرهم نعمتي وعرفهم بأحداثهم فقال أرمياء‏:‏ يا رب إني ضعيف إن لم تقوني عاجز إن لم تبلغني مخذول إن لم تنصرني قال الله تعالى‏:‏ أولم تعلم أن الأمور كلها تصدر عن مشيئتي وأن القلوب والألسنة بيدي أقلبها كيف شئت إني معك ولن يصل إليك شيء معي فقام أرمياء فيهم ولم يدر ما يقول فألهمه الله عز وجل في الوقت خطبة بليغة بين فيها ثواب الطاعة وعقاب المعصية وقال في آخرها عن الله تعالى‏:‏ وإني حلفت بعزتي لأقيضن لهم فتنة يتحير فيها الحليم ولأسلطن عليهم جبارا قاسيا ألبسه الهيبة وأنزع من صدره الرحمة يتبعه عدد مثل سواد الليل المظلم ثم أوحى الله إلى أرمياء‏:‏ إني مهلك بني إسرائيل بيافث ويافث من أهل بابل- على ما ذكرنا في سورة البقرة- فسلط الله عليهم بختنصر فخرج في ستمائة ألف راية ودخل بيت المقدس بجنوده ووطئ الشام وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم وخرب بيت المقدس وأمر جنوده أن يملأ كل رجل منهم ترسه ترابا ثم يقذفه في بيت المقدس ففعلوا ذلك حتى ملأوه ثم أمرهم أن يجمعوا من في بلدان بيت المقدس كلهم فاجتمع عنده كل صغير وكبير من بني إسرائيل فاختار منهم سبعين ألف صبي فلما خرجت غنائم جنده وأراد أن يقسمها فيهم قالت له الملوك الذين كانوا معه‏:‏ أيها الملك لك غنائمنا كلها واقسم بيننا هؤلاء الصبيان الذين اخترتهم من بني إسرائيل فقسمهم بين الملوك الذين كانوا معه فأصاب كل رجل منهم أربعة غلمان وفرق من بقي من بني إسرائيل ثلاث فرق فثلثا أقر بالشام وثلثا سبي وثلثا قتل وذهب بناشئة بيت المقدس وبالصبيان السبعين الألف حتى أقدمهم بابل فكانت هذه الوقعة الأولى التي أنزل الله ببني إسرائيل بظلمهم فذلك قوله تعالى‏:‏ ‏"‏فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد‏"‏ يعني‏:‏ بختنصر وأصحابه‏.‏

ثم إن بختنصر أقام في سلطانه ما شاء الله ثم رأى رؤيا أعجبته إذ رأى شيئا أصابه فأنساه الله الذي رأى فدعا دانيال وحنانيا وعزازيا وميشائيل وكانوا من ذراري الأنبياء وسألهم عنها قالوا أخبرنا بها نخبرك بتأويلها قال‏:‏ ما أذكرها ولئن لم تخبروني بها وبتأويلها لأنزعن أكتافكم فخرجوا من عنده فدعوا الله وتضرعوا إليه فأعلمهم بالذي سألهم عنه، فجاؤوه وقالوا‏:‏ رأيت تمثالا قدماه وساقاه من فخار وركبتاه وفخذاه من نحاس وبطنه من فضة وصدره من ذهب ورأسه وعنقه من حديد قال‏:‏ صدقتم قالوا‏:‏ فبينما أنت تنظر إليه وقد أعجبك أرسل الله تعالى صخرة من السماء فدقته فهي التي أنستكها قال‏:‏ صدقتم قال‏:‏ فما تأويلها‏؟‏ قالوا‏:‏ تأويلها أنك رأيت ملك الملوك فبعضهم كان ألين ملكا وبعضهم كان أحسن ملكا وبعضهم كان أشد ملكا الفخار أضعفه ثم فوقه النحاس أشد منه ثم فوق النحاس الفضة أحسن من ذلك وأفضل والذهب أحسن من الفضة وأفضل ثم الحديد ملكك فهو أشد وأعز مما كان قبله والصخرة التي رأيت أرسل الله من السماء فدقته نبي يبعثه الله من السماء فيدق ذلك أجمع ويصير الأمر إليه‏.‏

ثم إن أهل بابل قالوا لبختنصر‏:‏ أرأيت هؤلاء الغلمان من بني إسرائيل الذين كنا سألناك أن تعطيناهم ففعلت فإنا قد أنكرنا نساءنا منذ كانوا معنا لقد رأينا نساءنا انصرفت عنا وجوههن إليهم فأخرجهم من بين أظهرنا أو اقتلهم قال شأنكم بهم فمن أحب منكم أن يقتل من كان في يده فليفعل‏.‏

فلما قربوهم للقتل بكوا إلى الله تعالى وقالوا‏:‏ يا رب أصابنا البلاء بذنوب غيرنا فوعد الله أن يجيبهم، فقتلوا إلا من استبقى بختنصر منهم دانيال وحنانيا وعزازيا وميشائيل‏.‏

ثم لما أراد الله هلاك بختنصر انبعث فقال لمن في يده من بني إسرائيل‏:‏ أرأيتم هذا البيت الذي خربته والناس الذين قتلت منهم‏؟‏ وما هذا البيت‏؟‏ قالوا‏:‏ هذا بيت الله وهؤلاء أهله كانوا من ذراري الأنبياء فظلموا وتعدوا فسلطت عليهم بذنوبهم وكان ربهم رب السموات والأرض ورب الخلق كلهم يكرمهم ويعزهم فلما فعلوا ما فعلوا أهلكهم الله وسلط عليهم غيرهم فاستكبر وظن أنه بجبروته فعل ذلك ببني إسرائيل‏.‏ قال‏:‏ فأخبروني كيف لي أن أطلع إلى السماء العليا فأقتل من فيها وأتخذها ملكا لي فإني قد فرغت من الأرض، قالوا‏:‏ ما يقدر عليها أحد من الخلائق قال‏:‏ لتفعلن أو لأقتلنكم عن آخركم، فبكوا وتضرعوا إلى الله تعالى فبعث الله عليه بقدرته بعوضة فدخلت منخرة حتى عضت بأم دماغه فما كان يقر ولا يسكن حتى يوجأ له رأسه على أم دماغه فلما مات شقوا رأسه فوجدوا البعوضة عاضة على أم دماغه ليري الله العباد قدرته ونجى الله من بقي من بني إسرائيل في يديه فردوهم إلى الشام فبنوا فيه وكثروا حتى كانوا على أحسن ما كانوا عليه‏.‏

ويزعمون‏:‏ أن الله تعالى أحيا أولئك الذين قتلوا فلحقوا بهم، ثم إنهم لما دخلوا الشام دخلوها وليس معهم عهد من الله تعالى وكانت التوراة قد احترقت وكان عزير من السبايا الذين كانوا ببابل فرجع إلى الشام يبكي عليها ليله ونهاره وقد خرج من الناس فهو كذلك إذ أقبل إليه رجل فقال يا عزير ما يبكيك‏؟‏ قال أبكي على كتاب الله وعهده الذي كان بين أظهرنا الذي لا يصلح دنيانا وآخرتنا غيره قال‏:‏ أفتحب أن يرد إليك‏؟‏ ارجع فصم وتطهر وطهر ثيابك ثم موعدك هذا المكان غدا فرجع عزير فصام وتطهر وطهر ثيابه ثم عمد إلى المكان الذي وعده فجلس فيه فأتاه ذلك الرجل بإناء فيه ماء وكان ملكا بعثه الله إليه فسقاه من ذلك الإناء فمثلت التوراة في صدره فرجع إلى بني إسرائيل فوضع لهم التوراة فأحبوه حتى لم يحبوا حبه شيئا قط ثم قبضه الله وجعلت بنو إسرائيل بعد ذلك يحدثون الأحداث ويعود الله عليهم ويبعث فيهم الرسل ففريقا يكذبون وفريقا يقتلون حتى كان آخر من بعث الله فيهم من أنبيائهم زكريا ويحيى وعيسى وكانوا من بيت آل داود فمات زكريا وقيل قتل زكريا فلما رفع الله عيسى من بين أظهرهم وقتلوا يحيى بعث الله عليهم ملكا من ملوك بابل يقال له خردوش فسار إليهم بأهل بابل حتى دخل عليهم الشام فلما ظهر عليهم أمر رأسا من رءوس جنوده يدعى بيورزاذان صاحب القتل فقال‏:‏ إني قد كنت حلفت بإلهي لئن أنا ظفرت على أهل بيت المقدس لأقتلنهم حتى تسيل دماءهم في وسط عسكري إلا أني لا أجد أحدا أقتله فأمره أن يقتلهم حتى بلغ ذلك منهم بيورزاذان ودخل بيت المقدس فقام في البقعة التي كانوا يقربون فيها قربانهم فوجد فيها دما يغلي فسألهم فقال‏:‏ يا بني إسرائيل ما شأن هذا الدم يغلي‏؟‏ أخبروني خبره قالوا‏:‏ هذا دم قربان لنا قربناه فلم يقبل منا فلذلك يغلي ولقد قربنا منذ ثمانمائة سنة القربان فيقبل منا إلا هذا فقال‏:‏ ما صدقتموني فقالوا‏:‏ لو كان كأول زماننا لتقبل منا ولكن قد انقطع منا الملك والنبوة والوحي فلذلك لم يقبل منا فذبح منهم بيورزاذان على ذلك الدم سبعمائة وسبعين زوجا من رءوسهم فلم يهدأ فأمر فأتى بسبعمائة غلام من غلمانهم فذبحهم على الدم فلم يهدأ فأمر بسبعة آلاف من شيبهم وأزواجهم فذبحهم على الدم فلم يبرد فلما رأى بيورزاذان الدم لا يهدأ قال لهم‏:‏ يا بني إسرائيل ويلكم اصدقوني واصبروا على أمر ربكم فقد طال ما ملكتم في الأرض تفعلون فيها ما شئتم قبل أن لا أترك منكم نافخ نار أنثى ولا ذكر إلا قتلته فلما رأوا الجهد وشدة القتل صدقوا الخبر فقالوا‏:‏ إن هذا الدم دم نبي كان ينهانا عن أمور كثيرة من سخط الله فلو أنا أطعناه فيها لكان أرشد لنا وكان يخبرنا بأمركم فلم نصدقه فقتلناه فهذا دمه فقال لهم بيورزاذان‏:‏ ما كان اسمه‏؟‏ قالوا‏:‏ يحيى بن زكريا قال الآن صدقتموني لمثل هذا انتقم ربكم منكم فلما رأى بيورزاذان أنهم صدقوه خر ساجدا وقال لمن حوله‏:‏ أغلقوا أبواب المدينة وأخرجوا من كان هاهنا من جيش خردوش وخلا في بني إسرائيل ثم قال‏:‏ يا يحيى بن

زكريا قد علم ربي وربك ما قد أصاب قومك من أجلك وما قتل منهم فاهدأ بإذن ربك قبل أن لا أبقي من قومك أحدا فهدأ الدم بإذن الله ورفع بيورزاذان عنهم القتل وقال آمنت بما آمنت به بنو إسرائيل وأيقنت أنه لا رب غيره وقال لبني إسرائيل‏:‏ إن خردوش أمرني أن أقتل منكم حتى تسيل دماؤكم وسط عسكره وإني لست أستطيع أن أعصيه قالوا له‏:‏ افعل ما أمرت به فأمرهم فحفروا خندقا وأمر بأموالهم من الخيل والبغال والحمير والإبل والبقر والغنم فذبحها حتى سال الدم في العسكر وأمر بالقتلى الذين قتلوا قبل ذلك فطرحوا على ما قتل من مواشيهم فلم يظن خردوش إلا أن ما في الخندق من بني إسرائيل فلما بلغ الدم عسكره أرسل إلى بيورزاذان أن ارفع عنهم القتل‏.‏

ثم انصرف إلى بابل وقد أفنى بني إسرائيل أو كاد أن يفنيهم وهي الوقعة الأخيرة التي أنزل الله ببني إسرائيل وذلك قوله‏:‏ ‏{‏لَتُفْسِدُنَّ فِي الأرْضِ مَرَّتَيْنِ‏}‏ فكانت الوقعة الأولى بختنصر وجنوده والأخرى خردوش وجنوده وكانت أعظم الوقعتين فلم تقم لهم بعد ذلك راية وانتقل الملك بالشام ونواحيها إلى الروم اليونانية إلا أن بقايا من بني إسرائيل كثروا وكانت لهم الرياسة ببيت المقدس ونواحيها على غير وجه الملك وكانوا في نعمة إلى أن بدلوا وأحدثوا الأحداث فسلط الله عليهم ططيوس بن اسبيانوس الرومي فأخرب بلادهم وطردهم عنها ونزع الله عنهم الملك والرياسة وضربت عليهم الذلة فليسوا في أمة إلا وعليهم الصغار والجزية وبقي بيت المقدس خرابا إلى أيام عمر بن الخطاب فعمره المسلمون بأمره‏.‏

وقال قتادة‏:‏ بعث الله عليهم جالوت في الأولى فسبى وقتل وخرب ‏{‏ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ‏}‏ يعني في زمان داود، فإذا جاء وعد الآخرة بعث الله عليهم بختنصر فسبى وخرب، ثم قال‏:‏ ‏{‏عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ‏}‏ فعاد الله عليهم بالرحمة ثم عاد القوم بشر ما بحضرتهم فبعث الله عليهم ما شاء من نقمته وعقوبته، ثم بعث الله عليهم العرب كما قال‏:‏ ‏{‏وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ‏}‏ فهم في العذاب إلى يوم القيامة‏.‏

وذكر السدي بإسناده‏:‏ أن رجلا من بني إسرائيل رأى في النوم أن خراب بيت المقدس على يدي غلام يتيم ابن أرملة من أهل بابل يدعى بختنصر وكانوا يصدقون فتصدق رؤياهم فأقبل ليسأل عنه حتى نزل على أمه وهو يحتطب فجاء وعلى رأسه حزمة حطب فألقاها ثم قعد فكلمه ثم أعطاه ثلاثة دراهم فقال‏:‏ اشتر بهذا طعاما وشرابا فاشترى بدرهم لحما وبدرهم خبزا وبدرهم خمرا فأكلوا وشربوا وفعل في اليوم الثاني كذلك وفي اليوم الثالث كذلك، ثم قال‏:‏ إني أحب أن تكتب لي أمانا إن أنت ملكت يوما من الدهر فقال‏:‏ تسخر مني‏؟‏ فقال‏:‏ إني لا أسخر منك، ولكن ما عليك أن تتخذ بها عندي يدا فكتب له أمانا وقال‏:‏ أرأيت إن جئت والناس حولك قد حالوا بيني وبينك، قال‏:‏ ترفع صحيفتك على قصبة فأعرفك فكتب له وأعطاه ثم إن ملك بني إسرائيل كان يكرم يحيى بن زكريا ويدني مجلسه وأنه هوي ابنة امرأته وقال ابن عباس‏:‏ ابنة أخته فسأل يحيى بن زكريا عن تزويجها فنهاه عن نكاحها فبلغ ذلك أمها فحقدت على يحيى بن زكريا وعمدت حين جلس الملك على شرابه فألبستها ثيابا رقاقا حمرا وطيبتها وألبستها الحلي وأرسلتها إلى الملك وأمرتها أن تسقيه، فإن أرادها عن نفسها أبت عليه حتى يعطيها ما سألته فإذا أعطاها سألت رأس يحيى بن زكريا أن يؤتى به في طست ففعلت، فلما أرادها قالت لا أفعل حتى تعطيني ما أسألك قال‏:‏ ما تسأليني‏؟‏ قالت‏:‏ رأس يحيى بن زكريا في هذا الطست، فقال‏:‏ ويحك سليني غير هذا، فقالت‏:‏ ما أريد إلا هذا فلما أبت عليه بعث فأتي برأسه حتى وضع بين يديه والرأس يتكلم ويقول‏:‏ لا تحل لك فلما أصبح إذا دمه يغلي فأمر بتراب فألقي عليه فرقى الدم يعني صعد الدم يغلي ويلقي عليه من التراب حتى بلغ سور المدينة وهو في ذلك يغلي، فبعث صخابين ملك بابل جيشا إليهم وأمر عليهم بختنصر فسار بختنصر وأصحابه حتى بلغوا ذلك المكان تحصنوا منه في مدائنهم فلما اشتد عليهم المقام أراد الرجوع فخرجت إليه عجوز من عجائز بني إسرائيل فقالت‏:‏ تريد أن ترجع قبل المدينة‏؟‏ قال‏:‏ نعم قد طال مقامي وجاع أصحابي قالت‏:‏ أرأيت إن فتحت لك المدينة تعطيني ما أسألك فتقتل من أمرتك بقتله وتكف إذا أمرتك أن تكف‏؟‏ قال‏:‏ نعم، قالت‏:‏ إذا أصبحت تقسم جندك أربعة أرباع ثم أقم على كل زاوية ربعا ثم ارفعوا أيديكم إلى السماء فنادوا‏:‏ إنا نستفتحك يا الله بدم يحيى بن زكريا فإنها سوف تتساقط ففعلوا فتساقطت المدينة ودخلوا من جوانبها، فقالت‏:‏ كف يدك وانطلقت به إلى دم يحيى بن زكريا وقالت‏:‏ اقتل على هذا الدم حتى يسكن فقتل عليه سبعين ألفا حتى سكن، فلما سكن قالت‏:‏ كف يدك فإن الله لم يرض إذا قتل نبي حتى يقتل من قتله ومن رضي بقتله وأتاه صاحب الصحيفة بصحيفته فكف عنه وعن أهل بيته فخرب بيت المقدس وطرح فيه الجيف وأعانه على خرابه الروم من أجل أن بني إسرائيل قتلوا يحيى بن زكريا وذهب معه بوجوه بني إسرائيل وذهب بدانيال وقوم من أولاد الأنبياء وذهب معه برأس جالوت فلما قدم بابل وجد صخابين قد مات فملك مكانه وكان أكرم الناس عنده دانيال وأصحابه فحسدهم المجوس ووشوا بهم إليه وقالوا‏:‏ إن دانيال وأصحابه لا يعبدون إلهك ولا يأكلون ذبيحتك فسألهم فقالوا‏:‏ أجل إن لنا ربا نعبده ولسنا نأكل من ذبيحتكم، فأمر الملك بخد فخد لهم فألقوا فيه وهم ستة وألقى معهم بسبع ضار ليأكلهم فذهبوا ثم راحوا فوجدوهم جلوسا والسبع مفترش ذراعيه معهم لم يخدش منهم أحدا ووجدوا معهم رجلا سابعا فقال‏:‏ ما هذا السابع إنما كانوا ستة فخرج السابع وكان ملكا فلطمه لطمة فصار في الوحوش ومسخه الله سبع سنين‏.‏

وذكر وهب‏:‏ أن الله مسخ بختنصر نسرا في الطير ثم مسخه ثورا في الدواب ثم مسخه أسدا في الوحوش فكان مسخه سبع سنين وقلبه في ذلك قلب إنسان ثم رد الله إليه ملكه فآمن فسئل وهب أكان مؤمنا‏؟‏ فقال وجدت أهل الكتاب اختلفوا فيه فمنهم من قال مؤمنا ومنهم من قال أحرق بيت المقدس وكتبه وقتل الأنبياء فغضب الله عليه فلم يقبل توبته‏.‏

وقال السدي‏:‏ ثم إن بختنصر لما رجع إلى صورته بعد المسخ ورد الله إليه ملكه كان دانيال وأصحابه أكرم الناس عليه فحسدهم المجوس وقالوا لبختنصر‏:‏ إن دانيال إذا شرب الخمر لم يملك نفسه أن يبول وكان ذلك فيهم عارا فجعل لهم طعاما وشرابا فأكلوا وشربوا وقال للبواب‏:‏ انظر أول من يخرج ليبول فاضربه بالطبرزين فإن قال أنا بختنصر فقل كذبت بختنصر أمرني فكان أول من قام للبول بختنصر فلما رآه البواب شد عليه فقال‏:‏ ويحك أنا بختنصر فقال‏:‏ كذبت بختنصر أمرني فضربه فقتله هذا ما ذكره في المبتدأ إلا أن رواية من روى أن بختنصر غزا بني إسرائيل عند قتلهم يحيى بن زكريا غلط عند أهل السير بل هم مجمعون على أن بختنصر إنما غزا بني إسرائيل عند قتلهم شعياء في عهد أرمياء ومن وقت أرمياء وتخريب بختنصر بيت المقدس إلى مولد يحيى بن زكريا أربعمائة وإحدى وستون سنة، وذلك أنهم كانوا يعدون من لدن تخريب بختنصر بيت المقدس إلى حين عمارته في عهد كيرش بن أخشورش بن أصيهيد ببابل من قبل بهمن بن اسفنديار سبعين سنة ثم من بعد عمارته إلى ظهور الإسكندر على بيت المقدس ثمان وثمانون سنة ثم من بعد مملكته إلى مولد يحيى بن زكريا ثلثمائة وستون سنة‏.‏

والصحيح من ذلك ما ذكر محمد بن إسحاق‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ‏}‏ أي‏:‏ أعلمناهم وأخبرناهم فيما آتيناهم من الكتب أنهم سيفسدون‏.‏

والقضاء على وجوه‏:‏ يكون أمرا، كقوله‏:‏ ‏"‏وقضى ربك‏"‏ ‏(‏الإسراء- 23‏)‏‏.‏

ويكون حكما، كقوله‏:‏ ‏"‏إن ربك يقضي بينهم‏"‏ ‏(‏يونس- 93، والنحل- 78‏)‏‏.‏

ويكون خلقا كقوله‏:‏ ‏"‏فقضاهن سبع سماوات‏"‏ ‏(‏فصلت- 2‏)‏‏.‏

وقال ابن عباس وقتادة‏:‏ يعني وقضينا عليهم، و ‏"‏إلى‏"‏ بمعنى ‏"‏على‏"‏، والمراد بالكتاب‏:‏ اللوح المحفوظ‏.‏

‏{‏لَتُفْسِدُنَّ‏}‏ لام القسم مجازه‏:‏ والله لتفسدن، ‏{‏فِي الأرْضِ مَرَّتَيْنِ‏}‏ بالمعاصي والمراد بالأرض‏:‏ أرض الشام وبيت المقدس، ‏{‏وَلَتَعْلُنَّ‏}‏ ولتستكبرن ولتظلمن الناس ‏{‏عُلُوًّا كَبِيرًا‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏5- 7‏]‏

‏{‏فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولا ‏(‏5‏)‏ ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا ‏(‏6‏)‏ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا ‏(‏7‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا‏}‏ يعني‏:‏ أولى المرتين‏.‏

قال قتادة‏:‏ إفسادهم في المرة الأولى ما خالفوا من أحكام التوراة، وركبوا المحارم‏.‏

وقال ابن إسحاق‏:‏ إفسادهم في المرة الأولى قتل شعياء بين الشجرة وارتكابهم المعاصي‏.‏

‏{‏بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا‏}‏ قال قتادة‏:‏ يعني جالوت الخزري وجنوده وهو الذي قتله داود‏.‏

وقال سعيد بن جبير‏:‏ يعني سنجاريب من أهل نينوى‏.‏

وقال ابن إسحاق‏:‏ بختنصر البابلي وأصحابه‏.‏ وهو الأظهر‏.‏

‏{‏أُولِي بَأْسٍ‏}‏ ذوي بطش، ‏{‏شَدِيدٍ‏}‏ في الحرب، ‏{‏فَجَاسُوا‏}‏ أي فطافوا وداروا ‏{‏خِلالَ الدِّيَارِ‏}‏ وسطها يطلبونكم ويقتلونكم والجوس طلب الشيء بالاستقصاء‏.‏ قال الفراء‏:‏ جاسوا قتلوكم بين بيوتكم‏.‏

‏{‏وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولا‏}‏ قضاء كائنا لا خلف فيه‏.‏ ‏{‏ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ‏}‏ يعني‏:‏ الرجعة والدولة، ‏{‏عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا‏}‏ عددا، أي‏:‏ من ينفر معهم وعاد البلد أحسن مما كان‏.‏ ‏{‏إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكُمْ‏}‏ أي‏:‏ لها ثوابها، ‏{‏وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا‏}‏ أي‏:‏ فعليها كقوله تعالى‏:‏ ‏"‏فسلام لك‏"‏ ‏(‏الواقعة- 91‏)‏ أي‏:‏ عليك وقيل‏:‏ فلها الجزاء والعقاب‏.‏

‏{‏فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ‏}‏ أي‏:‏ المرة الأخيرة من إفسادكم، وذلك قصدهم قتل عيسى عليه السلام حين رفع، وقتلهم يحيى بن زكريا عليهما السلام، فسلط الله عليهم الفرس والروم خردوش وطيطوس حتى قتلوهم وسبوهم ونفوهم عن ديارهم، فذلك قوله تعالى ‏{‏لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ‏}‏ أي‏:‏ تحزن وجوهكم وسوء الوجه بإدخال الغم والحزن‏.‏

قرأ الكسائي ويعقوب‏.‏ ‏"‏ لنسوء ‏"‏ بالنون وفتح الهمزة على التعظيم كقوله‏:‏ ‏"‏وقضينا‏"‏ و ‏"‏بعثنا‏"‏ وقرأ ابن عامر وحمزة وأبو بكر بالياء وفتح الهمزة على التوحيد أي‏:‏ ليسوء الله وجوهكم وقيل‏:‏ ليسوء الوعد وجوهكم‏.‏

وقرأ الباقون بالياء وضم الهمزة على الجمع أي ليسوء العباد أولوا البأس الشديد وجوهكم‏.‏ ‏{‏وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ‏}‏ يعني‏:‏ بيت المقدس ونواحيه ‏{‏كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا‏}‏ وليهلكوا ‏{‏مَا عَلَوْا‏}‏ أي‏:‏ ما غلبوا عليه من بلادكم ‏{‏تَتْبِيرًا‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏8- 10‏]‏

‏{‏عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا ‏(‏8‏)‏ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ‏(‏9‏)‏ وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ‏(‏10‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏عَسَى رَبُّكُمْ‏}‏ يا بني إسرائيل ‏{‏أَنْ يَرْحَمَكُمْ‏}‏ بعد انتقامه منكم فيرد الدولة إليكم ‏{‏وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا‏}‏ أي‏:‏ إن عدتم إلى المعصية عدنا إلى العقوبة‏.‏ قال قتادة‏:‏ فعادوا فبعث الله عليهم محمدا صلى الله عليه وسلم فهم يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون‏.‏

‏{‏وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا‏}‏ سجنا ومحبسا من الحصر وهو الحبس‏.‏

قال الحسن‏:‏ حصيرا أي‏:‏ فراشا‏.‏ وذهب إلى الحصير الذي يبسط ويفرش‏.‏ ‏{‏إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ‏}‏ أي‏:‏ إلى الطريقة التي هي أصوب‏.‏ وقيل‏:‏ الكلمة التي هي أعدل وهي شهادة أن لا إله إلا الله، ‏{‏وَيُبَشِّرُ‏}‏ يعني‏:‏ القرآن ‏{‏الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ‏}‏ بأن لهم ‏{‏أَجْرًا كَبِيرًا‏}‏ وهو الجنة‏.‏ ‏{‏وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا‏}‏ وهو النار‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏11- 12‏]‏

‏{‏وَيَدْعُ الإنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإنْسَانُ عَجُولا ‏(‏11‏)‏ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلا ‏(‏12‏)‏‏}‏‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَيَدْعُ الإنْسَانُ‏}‏ حذف الواو لفظا لاستقبال اللام الساكنة كقوله‏:‏ ‏"‏سندع الزبانية‏"‏ العلق- 18‏)‏، وحذف في الخط أيضا وهي غير محذوفة في المعنى‏.‏ ومعناه‏:‏ ويدعو الإنسان على ماله وولده ونفسه، ‏{‏بِالشَّرِّ‏}‏ فيقول عند الغضب‏:‏ اللهم العنه وأهلكه ونحوهما، ‏{‏دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ‏}‏ أي‏:‏ كدعائه ربه بالخير أن يهب له النعمة والعافية ولو استجاب الله دعاءه على نفسه لهلك ولكن الله لا يستجيب بفضله ‏{‏وَكَانَ الإنْسَانُ عَجُولا‏}‏ بالدعاء على ما يكره أن يستجاب له فيه‏.‏ قال جماعة من أهل التفسير وقال ابن عباس‏:‏ ضجرا لا صبر له على السراء والضراء‏.‏ قوله عز وجل ‏{‏وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ‏}‏ أي‏:‏ علامتين دالتين على وجودنا ووحدانيتنا وقدرتنا ‏{‏فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ جعل الله نور الشمس سبعين جزءا ونور القمر كذلك فمحا من نور القمر تسعة وستين جزءا فجعلها مع نور الشمس‏.‏

وحكى أن الله تعالى أمر جبريل فأمر جناحه على وجه القمر ثلاث مرات فطمس عنه الضوء وبقي فيه النور‏.‏

وسأل ابن الكواء عليا عن السواد الذي في القمر‏؟‏ قال‏:‏ هو أثر المحو‏.‏

‏{‏وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً‏}‏ منيرة مضيئة يعني يبصر بها‏.‏ قال الكسائي‏:‏ تقول العرب أبصر النهار إذا أضاء بحيث يبصر بها ‏{‏لِتَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ‏}‏ أي‏:‏ لو ترك الله الشمس والقمر كما خلقهما لم يعرف الليل من النهار ولم يدر الصائم متى يفطر ولم يدر وقت الحج ولا وقت حلول الآجال ولا وقت السكون والراحة‏.‏ ‏{‏وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلا‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏13- 15‏]‏

‏{‏وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا ‏(‏13‏)‏ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ‏(‏14‏)‏ مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا ‏(‏15‏)‏‏}‏‏.‏

قوله عز وجل ‏{‏وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ عمله وما قدر عليه فهو ملازمه أينما كان‏.‏

وقال الكلبي ومقاتل‏:‏ خيره وشره معه لا يفارقه حتى يحاسبه به‏.‏

وقال الحسن‏:‏ يمنه وشؤمه‏.‏

وعن مجاهد‏:‏ ما من مولود إلا في عنقه ورقة مكتوب فيها شقي أو سعيد‏.‏

وقال أهل المعاني‏:‏ أراد بالطائر ما قضى الله عليه أنه عامله وما هو صائر إليه من سعادة أو شقاوة سمي ‏"‏طائرا‏"‏ على عادة العرب فيما كانت تتفاءل وتتشاءم به من سوانح الطير وبوارحها‏.‏ وقال أبو عبيدة والقتيبي‏:‏ أراد بالطائر حظه من الخير والشر من قولهم‏:‏ طار سهم فلان بكذا وخص العنق من بين سائر الأعضاء لأنه موضع القلائد والأطواق وغيرهما مما يزين أو يشين فجرى كلام العرب بتشبيه الأشياء اللازمة إلى الأعناق‏.‏

‏{‏وَنُخْرِجُ لَهُ‏}‏ يقول الله تعالى‏:‏ ونحن نخرج ‏{‏يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا‏}‏ وقرأ الحسن ومجاهد ويعقوب‏:‏ ‏"‏ ويخرج له ‏"‏ بفتح الياء وضم الراء معناه‏:‏ ويخرج له الطائر يوم القيامة كتابا‏.‏ وقرأ أبو جعفر ‏"‏ يخرج ‏"‏ بالياء وضمها وفتح الراء‏.‏

‏{‏يَلْقَاهُ‏}‏ قرأ ابن عامر وأبو جعفر ‏"‏ يلقاه ‏"‏ بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف يعني‏:‏ يلقى الإنسان ذلك الكتاب أي‏:‏ يؤتاه وقرأ الباقون بفتح الياء خفيفة أي يراه ‏{‏مَنْشُورًا‏}‏ وفي الآثار‏:‏ إن الله تعالى يأمر الملك بطي الصحيفة إذا تم عمر العبد فلا تنشر إلى يوم القيامة‏.‏ ‏{‏اقْرَأْ كِتَابَكَ‏}‏ أي‏:‏ يقال له‏:‏ اقرأ كتابك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا‏}‏ محاسبا‏.‏ قال الحسن‏:‏ لقد عدل عليك من جعلك حسيب نفسك‏.‏ قال قتادة‏:‏ سيقرأ يومئذ من لم يكن قارئا في الدنيا‏.‏ ‏{‏مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ‏}‏ لها ثوابه ‏{‏وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا‏}‏ لأن عليها عقابه‏.‏

‏{‏وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى‏}‏ أي‏:‏ لا تحمل حاملة حمل أخرى من الآثام أي‏:‏ لا يؤخذ أحد بذنب أحد‏.‏ ‏{‏وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا‏}‏ إقامة للحجة وقطعا للعذر، وفيه دليل على أن ما وجب وجب بالسمع لا بالعقل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏16‏]‏

‏{‏وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ‏(‏16‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا‏}‏ قرأ مجاهد‏:‏ ‏"‏ أمرنا ‏"‏ بالتشديد أي‏:‏ سلطنا شرارها فعصوا وقرأ الحسن وقتادة ويعقوب ‏"‏ آمرنا ‏"‏ بالمد أي‏:‏ أكثرنا‏.‏

وقرأ الباقون مقصورا مخففا أي‏:‏ أمرناهم بالطاعة فعصوا ويحتمل أن يكون معناه جعلناهم أمراء ويحتمل أن تكون بمعنى أكثرنا يقال‏:‏ أمرهم الله أي كثرهم الله‏.‏ وفي الحديث‏:‏ ‏"‏خير المال مهرة مأمورة‏"‏ أي كثيرة النسل‏.‏ ويقال‏:‏ منه أمر القوم يأمرون أمرا إذا كثروا وليس من الأمر بمعنى الفعل فإن الله لا يأمر بالفحشاء‏.‏

واختار أبو عبيدة قراءة العامة وقال‏:‏ لأن المعاني الثلاثة تجتمع فيها يعني الأمر والإمارة والكثرة‏.‏

‏{‏مُتْرَفِيهَا‏}‏ منعميها وأغنياءها ‏{‏فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ‏}‏ وجب عليها العذاب ‏{‏فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا‏}‏ أي‏:‏ خربناها وأهلكنا من فيها‏.‏

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي حدثنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا يحيى بن بكر حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير أن زينب بنت أبي سلمة حدثته عن أم حبيبة بنت أبي سفيان عن زينب بنت جحش أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها فزعا وهو يقول‏:‏ ‏"‏لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق بأصبعه الإبهام والتي تليها‏"‏ قالت زينب فقلت‏:‏ يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏نعم إذا كثر الخبث‏"‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏17- 20‏]‏

‏{‏وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ‏(‏17‏)‏ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا ‏(‏18‏)‏ وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ‏(‏19‏)‏ كُلا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ‏(‏20‏)‏‏}‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ‏}‏ أي‏:‏ المكذبة ‏{‏مِنْ بَعْدِ نُوحٍ‏}‏ يخوف كفار مكة ‏{‏وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا‏}‏ قال عبد الله بن أبي أوفى‏:‏ القرن مائة وعشرون سنة فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول قرن وكان في آخره يزيد بن معاوية‏.‏

وقيل‏:‏ مائة سنة‏.‏ وروي عن محمد بن القاسم عن عبد الله بن بسر المازني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع يده على رأسه وقال‏:‏ ‏"‏سيعيش هذا الغلام قرنا‏"‏ قال محمد بن القاسم فما زلنا نعد له حتى تم له مائة سنة ثم مات‏.‏

قال الكلبي‏:‏ ثمانون سنة‏.‏ وقيل‏:‏ أربعون سنة‏.‏ ‏{‏مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ‏}‏ يعني الدنيا أي‏:‏ الدار العاجلة، ‏{‏عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ‏}‏ من البسط والتقتير ‏{‏لِمَنْ نُرِيدُ‏}‏ أن نفعل به ذلك أو إهلاكه ‏{‏ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ‏}‏ في الآخرة ‏{‏جَهَنَّمَ يَصْلاهَا‏}‏ يدخل نارها ‏{‏مَذْمُومًا مَدْحُورًا‏}‏ مطرودا مبعدا‏.‏ ‏{‏وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا‏}‏ عمل عملها، ‏{‏وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا‏}‏ مقبولا‏.‏ ‏{‏كُلا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ‏}‏ أي‏:‏ نمد كلا الفريقين من يريد الدنيا ومن يريد الآخرة، ‏{‏مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ‏}‏ أي‏:‏ يرزقهما جميعا ثم يختلف بهما الحال في المآل ‏{‏وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ‏}‏ رزق ربك ‏{‏مَحْظُورًا‏}‏ ممنوعا عن عباده فالمراد من العطاء‏:‏ العطاء في الدنيا وإلا فلا حظ للكفار في الآخرة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏21- 23‏]‏

‏{‏انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلا ‏(‏21‏)‏ لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولا ‏(‏22‏)‏ وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا ‏(‏23‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏انْظُرْ‏}‏ يا محمد ‏{‏كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ‏}‏ في الرزق والعمل الصالح يعني‏:‏ طالب العاجلة وطالب الآخرة، ‏{‏وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلا‏}‏ ‏{‏لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ‏}‏ الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم والمراد غيره‏.‏

وقيل‏:‏ معناه لا تجعل أيها الإنسان مع الله إلها آخر ‏{‏فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولا‏}‏ مذموما من غير حمد مخذولا من غير نصر‏.‏ قوله عز وجل ‏{‏وَقَضَى رَبُّكَ‏}‏ وأمر ربك قاله ابن عباس وقتادة والحسن‏.‏

قال الربيع بن أنس‏:‏ وأوجب ربك‏.‏

قال مجاهد‏:‏ وأوصى ربك‏.‏

وحكي عن الضحاك بن مزاحم أنه قرأ ووصى ربك‏.‏ وقال‏:‏ إنهم ألصقوا الواو بالصاد فصارت قافا‏.‏

‏{‏أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا‏}‏ أي‏:‏ وأمر بالوالدين إحسانا برا بهما وعطفا عليهما‏.‏

‏{‏إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ‏}‏ قرأ حمزة والكسائي بالألف على التثنية فعلى هذا قوله‏:‏ ‏{‏أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا‏}‏ كلام مستأنف كقوله تعالى‏:‏ ‏"‏ثم عموا وصموا كثير منهم‏"‏ ‏(‏المائدة- 71‏)‏ وقوله‏:‏ ‏"‏وأسروا النجوى الذين ظلموا‏"‏ ‏(‏الأنبياء- 3‏)‏ وقوله‏:‏ ‏"‏الذين ظلموا‏"‏ ابتداء وقرأ الباقون ‏"‏ يبلغن ‏"‏ على التوحيد‏.‏

‏{‏فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ‏}‏ فيه ثلاث لغات قرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب‏:‏ بفتح الفاء وقرأ أبو جعفر ونافع وحفص بالكسر والتنوين والباقون بكسر الفاء غير منون ومعناها واحد وهي كلمة كراهية‏.‏

قال أبو عبيدة‏:‏ أصل التف والأف الوسخ على الأصابع إذا فتلتها‏.‏

وقيل‏:‏ ‏"‏الأف‏"‏‏:‏ ما يكون في المغابن من الوسخ و ‏"‏التف‏"‏‏:‏ ما يكون في الأصابع‏.‏

وقيل‏:‏ ‏"‏الأف‏"‏‏:‏ وسخ الأذن و ‏"‏التف‏"‏ وسخ الأظافر‏.‏

وقيل‏:‏ ‏"‏الأف‏"‏‏:‏ وسخ الظفر و ‏"‏التف‏"‏‏:‏ ما رفعته بيدك من الأرض من شيء حقير‏.‏

‏{‏وَلا تَنْهَرْهُمَا‏}‏ ولا تزجرهما‏.‏

‏{‏وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا‏}‏ حسنا جميلا لينا قال ابن المسيب‏:‏ كقول العبد المذنب للسيد الفظ‏.‏

وقال مجاهد‏:‏ لا تسميهما ولا تكنهما وقل‏:‏ يا أبتاه يا أماه‏.‏

وقال مجاهد في هذه الآية أيضا‏:‏ إذا بلغا عندك من الكبر ما يبولان فلا تتقذرهما ولا تقل لهما أف حين تميط عنهما الخلاء والبول كما كانا يميطانه عنك صغيرا‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏24‏]‏

‏{‏وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ‏(‏24‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ‏}‏ أي‏:‏ ألن جانبك لهما واخضع‏.‏ قال عروة بن الزبير‏:‏ لن لهما حتى لا تمتنع عن شيء أحباه ‏{‏مِنَ الرَّحْمَةِ‏}‏ من الشفقة ‏{‏وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا‏}‏ أراد‏:‏ إذا كانا مسلمين‏.‏

قال ابن عباس‏:‏ هذا منسوخ بقوله‏:‏ ‏"‏ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين‏"‏ ‏(‏التوبة- 13‏)‏‏.‏

أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني حدثنا حميد بن زنجويه حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن يزيد عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن- يعني السلمي- عن أبي الدرداء قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏الوالد أوسط أبواب الجنة فحافظ إن شئت أو ضيع‏"‏‏.‏

أخبرنا أبو طاهر محمد بن علي الزراد أخبرنا أبو بكر محمد بن إدريس الجرجاني أخبرنا أبو الحسن علي بن الحسين الماليني أخبرنا حسن بن سفيان حدثنا يحيى بن حبيب بن عدي حدثنا خالد بن الحارث عن شعبة عن يعلى بن عطاء عن أبيه عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏رضا الله في رضا الوالد وسخط الله في سخط الوالد‏"‏‏.‏

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار حدثنا أبو جعفر محمد بن غالب بن تمتام الضبي حدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا عبد العزيز بن مسلم عن يزيد بن أبي زياد عن مجاهد عن أبي سعيد الخدري قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لا يدخل الجنة منان ولا عاق ولا مدمن خمر‏"‏‏.‏

أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف بن محمد بن باموية الأصفهاني أخبرنا أبو سعيد أحمد بن زياد البصري أخبرنا الحسن بن محمد بن الصباح حدثنا ربعي بن علية عن عبد الرحمن بن إسحاق عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي ورغم أنف رجل أتى عليه شهر رمضان فلم يغفر له ورغم أنف رجل أدرك أبويه الكبر فلم يدخلاه الجنة‏"‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏25‏]‏

‏{‏رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُورًا ‏(‏25‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ‏}‏ من بر الوالدين وعقوقهما ‏{‏إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ‏}‏ أبرارا مطيعين بعد تقصير كان منكم في القيام بما لزمكم من حق الوالدين وغير ذلك ‏{‏فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ‏}‏ بعد المعصية ‏{‏غَفُورًا‏}‏‏.‏

قال سعيد بن جبير في هذه الآية‏:‏ هو الرجل يكون منه البادرة إلى أبويه لا يريد بذلك إلا الخير فإنه لا يؤاخذ به‏.‏

قال سعيد بن المسيب‏:‏ ‏"‏الأواب‏"‏‏:‏ الذي يذنب ثم يتوب ثم يذنب ثم يتوب‏.‏

قال سعيد بن جبير‏:‏ الرجاع إلى الخير‏.‏

وعن ابن عباس قال‏:‏ هو الرجاع إلى الله فيما يحزبه وينوبه‏.‏

وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال‏:‏ هم المسبحون، دليله قوله‏:‏ ‏"‏يا جبال أوبي معه‏"‏ ‏(‏سبأ- 10‏)‏‏.‏

قال قتادة‏:‏ هم المصلون‏.‏

قال عوف العقيلي‏:‏ هم الذين يصلون صلاة الضحى‏.‏

أخبرنا أبو الحسن طاهر بن الحسين الروقي الطوسي أخبرنا أبو الحسن محمد بن يعقوب أخبرنا أبو النضر محمد بن محمد بن يوسف حدثنا الحسن بن سفيان حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع عن هشام صاحب الدستوائي عن قتادة عن القاسم بن عوف عن زيد بن أرقم قال‏:‏ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل قباء وهم يصلون صلاة الضحى فقال‏:‏ ‏"‏صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال من الضحى‏"‏‏.‏

وقال محمد بن المنكدر‏:‏ ‏"‏الأواب‏"‏‏:‏ الذي يصلي بين المغرب والعشاء‏.‏

وروي عن ابن عباس أنه قال‏:‏ إن الملائكة لتحف بالذين يصلون بين المغرب والعشاء وهي صلاة الأولين‏.‏

فهو يؤوب وهو رجل آئب من سفره وأواب من ذنوبه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏26- 28‏]‏

‏{‏وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ‏(‏26‏)‏ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا ‏(‏27‏)‏ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلا مَيْسُورًا ‏(‏28‏)‏‏}‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ‏}‏ يعني صلة الرحم وأراد به‏:‏ قرابة الإنسان وعليه الأكثرون‏.‏

عن علي بن الحسين‏:‏ أراد به قرابة الرسول صلى الله عليه وسلم‏.‏

‏{‏وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا‏}‏ أي‏:‏ لا تنفق مالك في المعصية‏.‏

وقال مجاهد‏:‏ لو أنفق الإنسان ماله كله في الحق ما كان تبذيرا ولو أنفق مدا في باطل كان تبذيرا‏.‏

وسئل ابن مسعود عن التبذير فقال‏:‏ إنفاق المال في غير حقه‏.‏

قال شعبة‏:‏ كنت أمشي مع أبي إسحاق في طريق الكوفة فأتى على باب دار بني بجص وآجر فقال‏:‏ هذا التبذير‏.‏

وفي قول عبد الله‏:‏ إنفاق المال في غير حقه‏.‏ ‏{‏إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ‏}‏ أي‏:‏ أولياؤهم والعرب تقول لكل ملازم سنة قوم هو أخوهم ‏{‏وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا‏}‏ جحودا لنعمه‏.‏ ‏{‏وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ‏}‏ نزلت في مهجع وبلال وصهيب وسالم وخباب كانوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم في الأحايين ما يحتاجون إليه ولا يجد فيعرض عنهم حياء منهم ويمسك عن القول فنزل ‏{‏وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ‏}‏ وإن تعرض عن هؤلاء الذين أمرتك أن تؤتيهم ‏{‏ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا‏}‏ انتظار رزق من الله ترجوه أن يأتيك ‏{‏فَقُلْ لَهُمْ قَوْلا مَيْسُورًا‏}‏ لينا وهي العدة أي‏:‏ عدهم وعدا جميلا وقيل‏:‏ القول الميسور أن تقول‏:‏ يرزقنا الله وإياك‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏29- 31‏]‏

‏{‏وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا ‏(‏29‏)‏ إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ‏(‏30‏)‏ وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا ‏(‏31‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ‏}‏ قال جابر‏:‏ إني صبي فقال‏:‏ يا رسول الله إن أمي تستكسيك درعا ولم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قميصه فقال للصبي‏:‏ من ساعة إلى ساعة يظهر فعد وقتا آخر فعاد إلى أمه فقالت‏:‏ قل له إن أمي تستكسيك الدرع الذي عليك فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم داره فنزع قميصه فأعطاه إياه وقعد عريانا فأذن بلال بالصلاة فانتظروه فلم يخرج فشغل قلوب أصحابه فدخل عليه بعضهم فرآه عريانا فأنزل الله تعالى‏:‏ ‏"‏ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك‏"‏ يعني‏:‏ ولا تمسك يدك عن النفقة في الحق كالمغلولة يده لا يقدر على مدها‏.‏ ‏{‏وَلا تَبْسُطْهَا‏}‏ بالعطاء ‏{‏كُلَّ الْبَسْطِ‏}‏ فتعطي جميع ما عندك ‏{‏فَتَقْعُدَ مَلُومًا‏}‏ يلومك سائلوك بالإمساك إذا لم تعطهم و‏"‏الملوم‏"‏‏:‏ الذي أتى بما يلوم نفسه أو يلومه غيره ‏{‏مَحْسُورًا‏}‏ منقطعا بك لا شيء عندك تنفقه يقال‏:‏ حسرته بالمسألة إذا ألحفت عليه ودابة حسيرة إذا كانت كالة رازحة‏.‏

قال قتادة‏:‏ ‏"‏محسورا‏"‏ نادما على ما فرط منك‏.‏ ‏{‏إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ‏}‏ يوسع ‏{‏الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ‏}‏ أي‏:‏ يقتر ويضيق ‏{‏إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا‏}‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ‏}‏ فقر ‏{‏نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ‏}‏ وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يئدون بناتهم خشية الفاقة فنهوا عنه وأخبروا أن رزقهم ورزق أولادهم على الله تعالى ‏{‏إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا‏}‏ قرأ ابن عامر وأبو جعفر ‏"‏خَطأ‏"‏ بفتح الخاء والطاء مقصورا‏.‏ وقرأ ابن كثير بكسر الخاء ممدودا وقرأ الآخرون بكسر الخاء وجزم الطاء ومعنى الكل واحد أي‏:‏ إثما كبيرا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏32- 33‏]‏

‏{‏وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا ‏(‏32‏)‏ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا ‏(‏33‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا‏}‏ ‏{‏وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ‏}‏ وحقها ما روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث‏:‏ رجل كفر بعد إيمانه أو زنى بعد إحصانه أو قتل نفسا بغير نفس فيقتل بها‏"‏‏.‏

‏{‏وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا‏}‏ أي‏:‏ قوة وولاية على القاتل بالقتل قاله مجاهد وقال الضحاك‏:‏ سلطانه هو أنه يتخير فإن شاء استقاد منه وإن شاء أخذ الدية وإن شاء عفا‏.‏

‏{‏فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ‏}‏ قرأ حمزة والكسائي‏:‏ ‏"‏ فلا تسرف ‏"‏ بالتاء يخاطب ولي القتيل وقرأ الآخرون‏:‏ بالياء على الغائب أي‏:‏ لا يسرف الولي في القتل‏.‏

واختلفوا في هذا الإسراف الذي منع منه فقال ابن عباس، وأكثر المفسرين‏:‏ معناه لا يقتل غير القاتل وذلك أنهم كانوا في الجاهلية إذا قتل منهم قتيل لا يرضون بقتل قاتله حتى يقتلوا أشرف منه‏.‏

وقال سعيد بن جبير‏:‏ إذا كان القاتل واحدا فلا يقتل جماعة بدل واحد وكان أهل الجاهلية إذا كان المقتول شريفا لا يرضون بقتل القاتل وحده حتى يقتلوا معه جماعة من أقربائه‏.‏

وقال قتادة‏:‏ معناه لا يمثل بالقاتل‏.‏

‏{‏إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا‏}‏ فالهاء راجعة إلى المقتول في قوله‏:‏ ‏{‏وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا‏}‏ يعني‏:‏ إن المقتول منصور في الدنيا بإيجاب القود على قاتله وفي الآخرة بتكفير خطاياه وإيجاب النار لقاتله هذا قول مجاهد‏.‏

وقال قتادة‏:‏ الهاء راجعة إلى ولي المقتول معناه‏:‏ أنه منصور على القاتل باستيفاء القصاص منه أو الدية‏.‏

وقيل في قوله‏:‏ ‏{‏فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ‏}‏ إنه أراد به القاتل المعتدي يقول‏:‏ لا يتعدى بالقتل بغير الحق فإنه إن فعل ذلك فولي المقتول منصور من قبلي عليه باستيفاء القصاص منه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏34- 36‏]‏

‏{‏وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولا ‏(‏34‏)‏ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا ‏(‏35‏)‏ وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا ‏(‏36‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ‏}‏ بالإتيان بما أمر الله به والانتهاء عما نهى الله عنه‏.‏ وقيل‏:‏ أراد بالعهد ما يلتزمه الإنسان على نفسه‏.‏

‏{‏إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولا‏}‏ قال السدي‏:‏ كان مطلوبا وقيل‏:‏ العهد يسأل عن صاحب العهد فيقال‏:‏ فيما نقضت كالمؤودة تسأل فيم قتلت‏؟‏ ‏{‏وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ‏}‏ قرأ حمزة والكسائي وحفص ‏"‏ بالقسطاس ‏"‏ بكسر القاف والباقون بضمه وهما لغتان وهو الميزان صغر أو كبر أي‏:‏ بميزان العدل وقال الحسن‏:‏ هو القبان قال مجاهد‏:‏ هو رومي وقال غيره‏:‏ هو عربي مأخوذ من القسط وهو العدل أي‏:‏ زنوا بالعدل ‏{‏الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا‏}‏ أي‏:‏ عاقبة‏.‏ ‏{‏وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ‏}‏ قال قتادة‏:‏ لا تقل‏:‏ رأيت ولم تره وسمعت ولم تسمعه وعلمت ولم تعلمه‏.‏

وقال مجاهد‏:‏ لا ترم أحدا بما ليس لك به علم‏.‏

قال القتيبي‏:‏ لا تتبعه بالحدس والظن‏.‏ وهو في اللغة اتباع الأثر يقال‏:‏ قفوت فلانا أقفوه وقفيته وأقفيته إذا اتبعت أثره وبه سميت القافية لتتبعهم الآثار‏.‏

قال القتيبي‏:‏ هو مأخوذ من القفا كأنه يقفو الأمور أي‏:‏ يكون في إقفائها يتبعها ويتعرفها‏.‏

وحقيقة المعنى‏:‏ لا تتكلم أيها الإنسان بالحدس والظن‏.‏

‏{‏إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا‏}‏ قيل‏:‏ معناه يسأل المرء عن سمعه وبصره وفؤاده‏.‏

وقيل‏:‏ يسأل السمع والبصر والفؤاد عما فعله المرء‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏كُلُّ أُولَئِكَ‏}‏ أي‏:‏ كل هذه الجوارح والأعضاء وعلى القول الأول يرجع ‏"‏أولئك‏"‏ إلى أربابها‏.‏

أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أبو طاهر أحمد بن محمد بن الحسين أخبرنا أبو علي حامد بن محمد الرفاء حدثنا أبو الحسن علي بن عبد العزيز أخبرنا الفضل بن دكين حدثنا سعد بن أوس العبسي حدثني بلال بن يحيى العبسي أن شتير بن شكل أخبره عن أبيه شكل بن حميد قال‏:‏ أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت‏:‏ يا نبي الله علمني تعويذا أتعوذ به فأخذ بيدي ثم قال‏:‏ ‏"‏قل‏:‏ اللهم إني أعوذ بك من شر سمعي وشر بصري وشر لساني وشر قلبي وشر مَنِيَّ‏"‏ قال‏:‏ فحفظتها قال سعد المني ماؤه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏37‏]‏

‏{‏وَلا تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولا ‏(‏37‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏وَلا تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحًا‏}‏ أي بطرا وكبرا وخيلاء وهو تفسير المشي فلذلك أخرجه على المصدر، ‏{‏إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ‏}‏ أي لن تقطعها بكبرك حتى تبلغ آخرها ‏{‏وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولا‏}‏ أي لا تقدر أن تطاول الجبال وتساويها بكبرك‏.‏ معناه‏:‏ أن الإنسان لا ينال بكبره وبطره شيئا كمن يريد خرق الأرض ومطاولة الجبال لا يحصل على شيء‏.‏

وقيل‏:‏ ذكر ذلك لأن من مشى مختالا يمشي مرة على عقبيه ومرة على صدور قدميه فقيل له‏:‏ إنك لن تنقب الأرض إن مشيت على عقبيك ولن تبلغ الجبال طولا إن مشيت على صدور قدميك‏.‏

أخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني أخبرنا أبو القاسم علي بن أحمد الخزاعي أخبرنا الهيثم بن كليب حدثنا أبو عيسى الترمذي حدثنا سفيان بن وكيع حدثنا أبي عن المسعودي عن عثمان بن مسلم بن هرمز عن نافع بن جبير بن مطعم عن علي قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏إذا مشى يتكفأ تكفؤا كأنما ينحط من صبب‏"‏‏.‏

أخبرنا أبو محمد الجرجاني أخبرنا أبو القاسم الخزاعي أخبرنا الهيثم بن كليم حدثنا أبو عيسى الترمذي حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ابن لهيعة عن أبي يونس عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ ‏"‏ما رأيت شيئا أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم كأن الشمس تجري في وجهه وما رأيت أحدا أسرع في مشيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما الأرض تطوى له إنا لنجهد أنفسنا وإنه لغير مكترث‏"‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏38- 39‏]‏

‏{‏كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا ‏(‏38‏)‏ ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا ‏(‏39‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا‏}‏ قرأ ابن عامر وأهل الكوفة‏:‏ برفع الهمزة وضم الهاء على الإضافة ومعناه‏:‏ كل الذي ذكرنا من قوله‏:‏ ‏{‏وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ‏}‏ ‏{‏كَانَ سَيِّئُهُ‏}‏ أي‏:‏ سيئ ما عددنا عليك عند ربك مكروها؛ لأنه قد عد أمورا حسنة كقوله‏:‏ ‏{‏وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ‏}‏ ‏{‏وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ‏}‏ وغير ذلك‏.‏

وقرأ الآخرون‏:‏ ‏"‏ سيئة ‏"‏ منصوبة منونة يعني‏:‏ كل الذي ذكرنا من قوله‏:‏ ‏{‏وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ‏}‏ إلى هذا الموضع سيئة لا حسنة فيه إذ الكل يرجع إلى المنهي عنه دون غيره ولم يقل مكروهة لأن فيه تقديما وتأخيرا وتقديره‏:‏ كل ذلك كان مكروها سيئة‏.‏ وقوله ‏{‏مَكْرُوهًا‏}‏ على التكرير لا على الصفة مجازه‏:‏ كل ذلك كان سيئة وكان مكروها أو رجع إلى المعنى دون اللفظ لأن السيئة الذنب وهو مذكر‏.‏ ‏{‏ذَلِكَ‏}‏ الذي ذكرنا ‏{‏مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ‏}‏ وكل ما أمر الله به أو نهى عنه فهو حكمه‏.‏

‏{‏وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ‏}‏ خاطب النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآيات والمراد منه الأمة ‏{‏فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا‏}‏ مطرودا مبعدا من كل خير‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏40- 44‏]‏

‏{‏أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلا عَظِيمًا ‏(‏40‏)‏ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلا نُفُورًا ‏(‏41‏)‏ قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلا ‏(‏42‏)‏ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا ‏(‏43‏)‏ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ‏(‏44‏)‏‏}‏‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ‏}‏ أي‏:‏ اختاركم فجعل لكم الصفوة ولنفسه ما ليس بصفوة يعني‏:‏ اختاركم ‏{‏بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِنَاثًا‏}‏ لأنهم كانوا يقولون الملائكة بنات الله ‏{‏إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلا عَظِيمًا‏}‏ يخاطب مشركي مكة‏.‏ قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ‏}‏ يعني‏:‏ ما ذكر من العبر والحكم والأمثال والأحكام والحجج والإعلام والتشديد للتكثير والتكرير ‏{‏لِيَذَّكَّرُوا‏}‏ أي‏:‏ ليتذكروا ويتعظوا وقرأ حمزة والكسائي بإسكان الذال وضم الكاف وكذلك في الفرقان‏.‏ ‏{‏وَمَا يَزِيدُهُمْ‏}‏ تصريفنا وتذكيرنا ‏{‏إِلا نُفُورًا‏}‏ ذهابا وتباعدا عن الحق‏.‏ ‏{‏قُلْ‏}‏ يا محمد لهؤلاء المشركين ‏{‏لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ‏}‏ قرأ حفص وابن كثير ‏"‏ يقولون ‏"‏ بالياء وقرأ الآخرون بالتاء ‏{‏إِذًا لابْتَغَوْا‏}‏ لطلبوا يعني الآلهة ‏{‏إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلا‏}‏ بالمبالغة والقهر ليزيلوا ملكه كفعل ملوك الدنيا بعضهم ببعض‏.‏

وقيل‏:‏ معناه لطلبوا إلى ذي العرش سبيلا بالتقرب إليه‏.‏

قال قتادة‏:‏ لعرفوا الله وفضله وابتغوا ما يقربهم إليه‏.‏

والأول أصح‏.‏ ثم نزه نفسه فقال عز من قائل‏:‏ ‏{‏سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ‏}‏ قرأ حمزة والكسائي ‏"‏ تقولون ‏"‏ بالتاء والآخرون بالياء ‏{‏عُلُوًّا كَبِيرًا‏}‏ ‏{‏تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ‏}‏ قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص ويعقوب‏:‏ ‏"‏ تسبح ‏"‏ بالتاء وقرأ الآخرون بالياء للحائل بين الفعل والتأنيث‏.‏

‏{‏وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ‏}‏ روي عن ابن عباس أنه قال‏:‏ وإن من شيء حي إلا يسبح بحمده‏.‏

وقال قتادة‏:‏ يعني الحيوانات والناميات‏.‏

وقال عكرمة‏:‏ الشجرة تسبح والأسطوانة لا تسبح‏.‏

وعن المقدام بن معد يكرب قال‏:‏ إن التراب يسبح ما لم يبتل فإذا ابتل ترك التسبيح وإن الخرزة تسبح ما لم ترفع من موضعها فإذا رفعت تركت التسبيح وإن الورقة لتسبح ما دامت على الشجرة فإذا سقطت تركت التسبيح وإن الثوب ليسبح ما دام جديدا فإذا وسخ ترك التسبيح وإن الماء يسبح ما دام جاريا فإذا ركد ترك التسبيح وإن الوحش والطير تسبح إذا صاحت فإذا سكنت تركت التسبيح‏.‏

وقال إبراهيم النخعي‏:‏ وإن من شيء جماد إلا يسبح بحمده حتى صرير الباب ونقيض السقف‏.‏

وقال مجاهد‏:‏ كل الأشياء تسبح لله حيا كان أو ميتا أو جمادا، وتسبيحها سبحان الله وبحمده‏.‏

أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا محمد بن المثنى أخبرنا أبو أحمد الزبير أخبرنا إسرائيل عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال‏:‏ كنا نعد الآيات بركة وأنتم تعدونها تخويفا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فقل الماء فقال‏:‏ ‏"‏اطلبوا فضلة من ماء فجاؤوا بإناء فيه ماء قليل فأدخل يده في الإناء ثم قال‏:‏ حي على الطهور المبارك والبركة من الله فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل‏"‏‏.‏

وقال بعض أهل المعاني‏:‏ تسبح السموات والأرض والجمادات وسائر الحيوانات سوى العقلاء ما دلت بلطيف تركيبها وعجيب هيئتها على خالقها فيصير ذلك بمنزلة التسبيح منها‏.‏

والأول هو المنقول عن السلف‏.‏

واعلم أن لله تعالى علما في الجمادات لا يقف عليه غيره فينبغي أن يوكل علمه إليه‏.‏

‏{‏وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ‏}‏ أي لا تعلمون تسبيح ما عدا من يسبح بلغاتكم وألسنتكم ‏{‏إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏45- 47‏]‏

‏{‏وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا ‏(‏45‏)‏ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا ‏(‏46‏)‏ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا رَجُلا مَسْحُورًا ‏(‏47‏)‏‏}‏‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا‏}‏ يحجب قلوبهم عن فهمه والانتفاع به‏.‏

قال قتادة‏:‏ هو الأكنة والمستور بمعنى الساتر كقوله‏:‏ ‏"‏إنه كان وعده مأتيا‏"‏ ‏(‏مريم- 61‏)‏ مفعول بمعنى فاعل‏.‏

وقيل مستور عن أعين الناس فلا يرونه‏.‏

وفسره بعضهم بالحجاب عن الأعين الظاهرة، كما روي عن سعيد بن جبير أنه لما نزلت‏:‏ ‏"‏تبت يدا أبي لهب‏"‏ جاءت امرأة أبي لهب ومعها حجر والنبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر فلم تره فقالت لأبي بكر‏:‏ أين صاحبك لقد بلغني أنه هجاني‏؟‏ فقال‏:‏ والله ما ينطق بالشعر ولا يقوله فرجعت وهي تقول قد كنت جئت بهذا الحجر لأرضخ رأسه فقال أبو بكر‏:‏ ما رأتك يا رسول الله قال‏:‏ لا لم يزل ملك بيني وبينها يسترني‏.‏ ‏{‏وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً‏}‏ أغطية ‏{‏أَنْ يَفْقَهُوهُ‏}‏ كراهية أن يفقهوه‏.‏ وقيل‏:‏ لئلا يفقهوه، ‏{‏وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا‏}‏ ثقلا لئلا يسمعوه ‏{‏وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ‏}‏ يعني إذا قلت‏:‏ لا إله إلا الله في القرآن وأنت تتلوه ‏{‏وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا‏}‏ جمع ‏"‏نافر‏"‏ مثل‏:‏ قاعد وقعود وجالس وجلوس أي نافرين‏.‏ ‏{‏نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ‏}‏ قيل‏:‏ ‏"‏به‏"‏ صلة أي‏:‏ يطلبون سماعه، ‏{‏إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ‏}‏ وأنت تقرأ القرآن ‏{‏وَإِذْ هُمْ نَجْوَى‏}‏ يتناجون في أمرك وقيل‏:‏ ذو نجوى فبعضهم يقول‏:‏ هذا مجنون وبعضهم يقول كاهن وبعضهم يقول‏:‏ ساحر وبعضهم يقول‏:‏ شاعر ‏{‏إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ‏}‏ يعني‏:‏ الوليد بن المغيرة وأصحابه، ‏{‏إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا رَجُلا مَسْحُورًا‏}‏ مطبوبا وقال مجاهد‏:‏ مخدوعا‏.‏ وقيل‏:‏ مصروفا عن الحق‏.‏ يقال‏:‏ ما سحرك عن كذا أي ما صرفك‏؟‏

وقال أبو عبيدة‏:‏ أي رجلا له سحر، والسحر‏:‏ الرئة أي‏:‏ إنه بشر مثلكم معلل بالطعام والشراب يأكل ويشرب قال الشاعر‏:‏

أرانا موضعين لحتم غيب *** ونسحر بالطعام وبالشراب

تفسير الآيات رقم ‏[‏48- 51‏]‏

‏{‏انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا ‏(‏48‏)‏ وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا ‏(‏49‏)‏ قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا ‏(‏50‏)‏ أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا ‏(‏51‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏انْظُرْ‏}‏ يا محمد ‏{‏كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثَالَ‏}‏ الأشباه، قالوا‏:‏ شاعر وساحر وكاهن ومجنون ‏{‏فَضَلُّوا‏}‏ فحاروا وحادوا ‏{‏فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا‏}‏ أي‏:‏ وصولا إلى طريق الحق‏.‏ ‏{‏وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا‏}‏ بعد الموت، ‏{‏وَرُفَاتًا‏}‏ قال مجاهد‏:‏ ترابا وقيل‏:‏ حطاما‏.‏ و‏"‏الرفات‏"‏‏:‏ كل ما تكسر وبلى من كل شيء كالفتات والحطام‏.‏ ‏{‏أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا‏}‏ ‏{‏قُلْ‏}‏ لهم يا محمد‏:‏ ‏{‏كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا‏}‏ في الشدة والقوة وليس هذا بأمر إلزام بل هو أمر تعجيز أي‏:‏ استشعروا في قلوبكم أنكم حجارة أو حديد في القوة‏.‏ ‏{‏أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ‏}‏ قيل‏:‏ السماء والأرض والجبال‏.‏

وقال مجاهد وعكرمة وأكثر المفسرين‏:‏ إنه الموت فإنه ليس في نفس ابن آدم شيء أكبر من الموت أي‏:‏ لو كنتم الموت بعينه لأميتنكم ولأبعثنكم‏.‏

‏{‏فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا‏}‏ من يبعثنا بعد الموت‏؟‏ ‏{‏قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ‏}‏ خلقكم ‏{‏أَوَّلَ مَرَّةٍ‏}‏ ومن قدر على الإنشاء قدر على الإعادة ‏{‏فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ‏}‏ أي‏:‏ يحركونها

إذا قلت لهم ذلك مستهزئين بها ‏{‏وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ‏}‏ أي‏:‏ البعث والقيامة ‏{‏قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا‏}‏ أي‏:‏ هو قريب لأن عسى من الله واجب نظيره قوله تعالى‏:‏ ‏"‏وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا‏"‏ ‏(‏الأحزاب- 63‏)‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏52- 54‏]‏

‏{‏يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا قَلِيلا ‏(‏52‏)‏ وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا ‏(‏53‏)‏ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلا ‏(‏54‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏يَوْمَ يَدْعُوكُمْ‏}‏ من قبوركم إلى موقف القيامة ‏{‏فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ بأمره وقال قتادة‏:‏ بطاعته وقيل‏:‏ مقرين بأنه خالقهم وباعثهم ويحمدونه حين لا ينفعهم الحمد وقيل‏:‏ هذا خطاب مع المؤمنين فإنهم يبعثون حامدين‏.‏ ‏{‏وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ‏}‏ في الدنيا وفي القبور ‏{‏إِلا قَلِيلا‏}‏ لأن الإنسان لو مكث ألوفا من السنين في الدنيا وفي القبر عد ذلك قليلا في مدة القيامة والخلود قال قتادة‏:‏ يستحقرون مدة الدنيا في جنب القيامة‏.‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ‏}‏ قال الكلبي‏:‏ كان المشركون يؤذون المسلمين فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ فأنزل الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقُلْ لِعِبَادِي‏}‏ المؤمنين ‏{‏يَقُولُوا‏}‏ للكافرين ‏{‏الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ‏}‏ ولا يكافؤوهم بسفههم‏.‏ قال الحسن‏:‏ يقول له‏:‏ يهديك الله وكان هذا قبل الإذن في الجهاد والقتال‏.‏

وقيل‏:‏ نزلت في عمر بن الخطاب شتمه بعض الكفار فأمره الله بالعفو‏.‏

وقيل‏:‏ أمر الله المؤمنين بأن يقولوا ويفعلوا التي هي أحسن أي‏:‏ الخلة التي هي أحسن‏.‏

وقيل‏:‏ ‏"‏الأحسن‏"‏ كلمة الإخلاص لا إله إلا الله‏.‏

‏{‏إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِغُ بَيْنَهُمْ‏}‏ أي‏:‏ يفسد ويلقي العداوة بينهم ‏{‏إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا‏}‏ ظاهر العداوة‏.‏ ‏{‏رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ‏}‏ يوفقكم فتؤمنوا ‏{‏أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ‏}‏ يميتكم على الشرك فتعذبوا قاله ابن جريج‏.‏

وقال الكلبي‏:‏ إن يشأ يرحمكم فينجيكم من أهل مكة، وإن يشأ يعذبكم فيسلطهم عليكم‏.‏ ‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلا‏}‏ حفيظا وكفيلا قيل‏:‏ نسختها آية القتال‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏55- 57‏]‏

‏{‏وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا ‏(‏55‏)‏ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلا ‏(‏56‏)‏ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ‏(‏57‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ‏}‏ أي‏:‏ ربك العالم بمن في السموات والأرض فجعلهم مختلفين في صورهم وأخلاقهم وأحوالهم ومللهم‏.‏

‏{‏وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ‏}‏ قيل جعل أهل السموات والأرض مختلفين كما فضل بعض النبيين على بعض‏.‏

قال قتادة في هذه الآية‏:‏ اتخذ الله إبراهيم خليلا وكلم موسى تكليما وقال لعيسى‏:‏ كن فيكون وآتى سليمان ملكا لا ينبغي لأحد من بعده وآتى داود زبورا كما قال‏:‏ ‏{‏وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا‏}‏ والزبور‏:‏ كتاب علمه الله داود يشتمل على مائة وخمسين سورة كلها دعاء وتمجيد وثناء على الله عز وجل وليس فيها حرام ولا حلال ولا فرائض ولا حدود‏.‏

معناه‏:‏ إنكم لم تنكروا تفضيل النبيين فكيف تنكرون فضل النبي صلى الله عليه وسلم وإعطاءه القرآن‏؟‏ وهذا خطاب مع من يقر بتفضيل الأنبياء عليهم السلام من أهل الكتاب وغيرهم‏.‏ قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ‏}‏ وذلك أن المشركين أصابهم قحط شديد حتى أكلوا الكلاب والجيف فاستغاثوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ليدعو لهم قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلِ‏}‏ للمشركين ‏{‏ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ‏}‏ أنها آلهة ‏{‏فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ‏}‏ القحط والجوع ‏{‏عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلا‏}‏ إلى غيركم أو تحويل الحال من العسر إلى اليسر‏.‏ ‏{‏أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ‏}‏ يعني الذين يدعونهم المشركون آلهة يعبدونهم‏.‏

قال ابن عباس ومجاهد‏:‏ وهم عيسى وأمه وعزير والملائكة والشمس والقمر والنجوم ‏"‏يبتغون‏"‏ أي يطلبون إلى ربهم ‏"‏الوسيلة‏"‏ أي القربة‏.‏ وقيل‏:‏ الوسيلة الدرجة العليا أي‏:‏ يتضرعون إلى الله في طلب الدرجة العليا‏.‏

وقيل‏:‏ الوسيلة كل ما يتقرب به إلى الله تعالى‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏أَيُّهُمْ أَقْرَبُ‏}‏ معناه‏:‏ ينظرون أيهم أقرب إلى الله فيتوسلون به وقال الزجاج‏:‏ أيهم أقرب يبتغي الوسيلة إلى الله تعالى ويتقرب إليه بالعمل الصالح ‏{‏وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ‏}‏ جنته ‏{‏وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا‏}‏ أي يطلب منه الحذر‏.‏

وقال عبد الله بن مسعود‏:‏ نزلت الآية في نفر من العرب كانوا يعبدون نفرا من الجن فأسلم الجنيون ولم يعلم الإنس الذين كانوا يعبدونهم بإسلامهم فتمسكوا بعبادتهم فعيرهم الله وأنزل هذه الآية‏.‏

وقرأ ابن مسعود ‏"‏ أولئك الذين تدعون ‏"‏ بالتاء‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏58‏]‏

‏{‏وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا ‏(‏58‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ‏}‏ وما من قرية ‏{‏إِلا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ‏}‏ أي‏:‏ مخربوها ومهلكوها أهلها ‏{‏أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا‏}‏ بأنواع العذاب إذا كفروا وعصوا وقال مقاتل وغيره‏:‏ مهلكوها في حق المؤمنين بالإماتة ومعذبوها في حق الكفار بأنواع العذاب‏.‏

قال عبد الله بن مسعود‏:‏ إذا ظهر الزنا والربا في قرية أذن الله في هلاكها‏.‏

‏{‏كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ‏}‏ في اللوح المحفوظ ‏{‏مَسْطُورًا‏}‏ مكتوبا‏.‏

قال عبادة بن الصامت‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏إن أول ما خلق الله القلم فقال اكتب فقال ما أكتب‏؟‏ قال القدر وما كان وما هو كائن إلى الأبد‏"‏‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأوَّلُونَ‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ سأل أهل مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهبا وأن ينحى الجبال عنهم فيزرعوا فأوحى الله تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إن شئت أن أستأني بهم فعلت وإن شئت أن أوتيهم ما سألوا فعلت فإن لم يؤمنوا أهلكتهم كما أهلكت من كان قبلهم من الأمم فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لا بل تستأني بهم‏"‏ فأنزل الله عز وجل